/ صفحه 270/
و ما دمنا لانستطيع عن الطريق التجريبي أن نصل إلى هذا المصدر فوق الانسانى فنحن في النهاية آخذو النص من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أكان مؤلفه الحقيقى أم ناقله الوحيد وموصله إلى الانسانية.
الباب الاول: حياة النبى السابقة:
بالنظر إلى تلك الصلة الوثيقة بين الرسول ورسالته، وإلى أن مؤلّفنا مخصص لخطاب بيئات قليلة الالفة لترجمة الرسول العربى سنبدأ برسم صورة مصغرة للرسول منذ طفولته إلى أن كلف عمله العالمى.
من هو اذن ذلك الانسان؟ انه من أسرة جد مشهورة في مكة: قبيلة قريش من الفرع الهاشمى المعروف بشرف دينى أكبر، منه سياسياً.. والسنة تصله باسماعيل بن ابراهيم عن طريق أجيال لاتعطينا توكيداً عنها من حيث العدد والاسم الا إلى واحد وعشرين، أى حتى عدنان، أما الباقى فيغلفه الشك والغموض(1).
و يقول الرأى الاجماعى لاصحاب الترجمة: ان محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم - ولد يوم الاثنين(2) في الاسبوع الثانى من الشهر القمرى ربيع الاول من السنة التي

ــــــــــ
(1) معلوم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يمتنع أن يصعد في سلسلة نسبه فيما فوق عدنان، بل نعلم أنه كان يتهم النسابين بالضلال والمغامرة في هذه السبيل، وإذا صدقنا أثراً ينتمى إلى ابن عباس ((نبهانى أنوار)) فانه يكون بين عدنان واسماعيل 30 جيلا مجهولا، وهذا يجعل اسماعيل الجد الواحد والخمسين لمحمد عليه الصلاة والسلام، ولكن ما دام مسلماً عامة أن عهد ابراهيم يقع بين القرن العشرين والقرن الثامن عشر قبل الميلاد، فانه يجب أن تفترض على الاقل 2260 سنة بين اسماعيل وعبدالله والد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ((اسماعيل مفروض أنه ولد سنة 1720 قبل الميلاد، وعبدالله في سنة 540 بعد الميلاد)) فواضح أن الواحد والخمسين جيلا المشار اليها في هذا الاثر لاتكفى لملء هذا الفراغ، الا إذا حسبنا للجيل 44 سنة بدل 33 في المتوسط.
(2) مع الاجماع على الاثنين من ربيع الثانى يتردد الاثر ما بين 8،10 و12 من الشهر، والعالم الفلكى المصرى محمود باشا الفلكى في مذكرته عن التقويم العربى قبل الهجرة ص 38، يحدد لميلاد النبى على وجه الدقة 9 ربيع الاول الموافق 20 ابريل سنة 531 من التاريخ الحولى، وهو في هذا متفق مع سيلفستردى ساسى، وإذا أدخلنا في الحساب واقعة أن تحديد اليوم الاول من الشهور العربية لايتبع عموماً الاتصال الفلكى للقمر مع الشمس بل لايتبع حتى امكان رؤية الهلال، ولكن يرتبط بعامل متغير جداً حسب أحوال الظواهر الجوية المحلية، وهو الرؤية الاولى الفعلية للهلال بعد غروب الشمس أدركنا في يسر لماذا تردد المترجمون القدماء بين تلك البضعة الايام، أما عن التوافق بين التاريخين القمرى والشمسى فإن المؤرخ الفرنسى ((كوشان دى بير سيفال)) يعطينا رقماً مختلفاً، فهو يبدأ بافتراض اضطراب اعترى التقويم العربى حيناً قبل عهد النبى، ولم يزل الا بفضل تدخله صلى الله عليه وسلم، ويعتقد العلامة الفرنسى أنه استطاع أن يرد تاريخ ميلاد النبى إلى يوم 29 أغسطس سنة 570، من تاريخ ميلاد المسيح (كتابه عن تاريخ العرب جزء 1 ص 283).