/ صفحه 257/
11- وإذا كان المبشرون ومن لف لفهم يطعنون في صدق القصص القرآنى ويدّعون لذلك أنه مخالف للتاريخ القديم من جهة، ولما في التوراة والانجيل من جهة ثانية، ثم يستغلون اسم الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده استغلالا جاهلا كاذباً في هذا المجال، فقد آن الاوان لتناول هذا الجانب من البحث في هذه الفصول.
إلى أى مدى يصح لنا الاعتماد على التاريخ لنحكمه في قصص القرآن؟ كان المعقول أن نتخذ من التاريخ الوثيق مقياساً نحتكم اليه في بيان القيمة الواقعية الحقة لقصص القرآن، ولكن صحة المنهج تقضينا أن نوثق التاريخ أولا، وأن ننتهى إلى أنه حق مطلق لاتحريف فيه ولا تبديل، وهنا نسير مطمئنين في ضوء الحق اليقين لنقيس عليه القصص القرآنى ونفصل في قيمته التاريخية، ولكن أنّى لنا هذه الثقة الحاسمة في أخبار التاريخ القديم الذي لم يدوّن في حينه، ولم تستكشف وثائقه ومصادره، وان ما يروى منه نتف مضطربة، وأساطير تافهة، وروايات مخلطة، لاتنتهى أبداً إلى يقين يمكن الاطمئنان اليه أو الاعتماد عليه في تحقيق صور الماضى واتخاذها مقياساً حاسماً نحتكم اليه في بيان صدق القرآن أو ضد ذلك.
و عن هذا التاريخ القديم نجد الرازي عند تفسير قوله تعالى: ((و قال فرعون يا هامان ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع إلى اله موسى))(1) يورد الاعتراض على هذه الاية بأن هامان لم يكن موجوداً زمن موسى وفرعون، ثم يقول: ((والجواب أن تواريخ موسى وفرعون قد طال بها العهد واضطربت الاحوال والادوار، فلم يبق على كلام أهل التاريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الاخذ بقول الله أولى)).(2)
و يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده عن حال التاريخ قبل الاسلام: ((كانت مشتبهة الاعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، ولاتواتر يعتد به بالاولى)) يقول هذا الكلام في نسبة قصص القرآن إلى التاريخ، وقبل ذلك قال: ((يظن كثير من الناس الان - كما ظن كثير من قبلهم - أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن
ــــــــــ
(1) غافر: 36 و37.
(2) تفسير الرازى، ج 7 ص 218.
