/ صفحه 254/
الأستاذ الامام بعقب ما مر وما أشرنا اليه من قبل: ((و قد يأتى في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم، وان لم تكن صحيحة في نفسها كقوله: ((كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)) وكقوله:((بلغ مطلع الشمس)) وهذا الاسلوب مألوف، فاننا نرى كثيراً من كتاب العربية وكتاب الافرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم، ولا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء، ولا يعتقد أحدهم شيئاً من تلك الخرافات الوثنية، ويقول أهل السواحل: غربت الشمس، أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك، وانما يعبرون به عن المرئى)).(1)
و الغريب بعد هذا أن يقول خصوم القرآن انه يقر هذا الباطل وهو يحكى الماضى ((كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذباً)) وكل هذه المحاولاات الباطلة يقصدون بها أن قصص القرآن تخليط بين الكذب والخطأ والتزييف، كأنهم مأجورون على ذلك البهتان والزور.
9- ولما كان القرآن يرمى من وراء قصصه إلى العظة والاعتبار تراه يكرر القصة ويعيدها في كل مناسبة تقتضيها، منوها في كل مرة بما توحى به من عبرة وموعظة، مقتصراً منها على ما يستوجبه المقام موجزاً أو باسطاً حيث يحسن هذا أو ذاك، لان القصة الواحدة ينتفع بها في أكثر من موضع(2)، ومن هنا كانت القصص المكررة متكاملة وان لم تكن مستوعبة دائماً، فهى يكمل بعضها بعضا، فقد ترد بعض عناصرالقصة أول مرة، فاذا أعيدت وردت عناصر أخرى لم ترد في المرة الاخرى، لان المقام يقتضى ذكرها هذه المرة. والأمر اذاً، هو اختيار الحوادث والمواقف التي تناسب كل موطن(3)، وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: ((بينا أن قصة نوح (عليه السلام) جاءت في عدة سور، في كل سورة منها ما ليس في

ــــــــــ
(1) تفسير المنار: ج 1 ص 399.
(2) الرازى: ج 7 ص 464.
(3) الرازى: ج 7 ص 109 وج 6 ص 405، وقصة ابراهيم في سورتى الانبياء والصافات، وقصة لوط في سورتى هود والشعراء.