/ صفحه 222/
عليه الذلة والمسكنة والانهيار، فاعترف بخطئه وخطأ قبيلته وضعفهم، وعدم قدرته على احتمال ما يحتمله الكماة من الرجال، أو طلب الرحمة من آسريه، غير أنه كان من المتعذر في الغالب أن ينتزع من الأسير اعتراف من هذا القبيل مهما يولغ في تعذيبه، فقد وصل هؤلاء البدائيون في اعتزازهم بأنفسهم وعشائرهم وترفعهم عن الظهور بمظهر الذلة والعجز وقدرتهم على احتمال الآلام إلى درجة لم يكد يصل إلى مثلها أو ما يقرب منها أى شعب آخر من شعوب الارض، ولعل صنوف العذاب التي كان لزاماً أن يذوقها كل واحد منهم مختاراً في أثناء مرحلة التعميد الدينى هي التي كان لها الفضل في بث هذه النزعة في نفوسهم، وفي تدريبهم على قوة الاحتمال، وفي مبلغ ما وصلوا اليه في الاستخفاف بآلام الجسم والاستهانة بما يصيبه من نكال، فقد كان الأسير يشد وثاقة إلى سارية، وتصب عليه أسواط العذاب من كل صنف، ويأتية الموت من كل مكان، بدون أن يفتر لسانه عن ترديد أغنيات حماسية خاصة بهذه المناسبات تسمى، ((أغانى الموت)) يعدد فيها مناقبه ومناقب عشيرته، وما أثر عنه وعنهم في ميادين الوغى من شجاعة واقدام، ويزهو بأنه لم ير بعد من هو أقوى منهم في شئون الحرب أو أشد لها مراساً، ويستخف بآسريه وبما يسومونه اياه من عذاب، وكلما زادوه نكالا زاده هذا امعاناً في زهوه وتحقيره اياهم، فينتهى بهم الأمر إلى اليأس من أن ينتزعوا منه ما كانوا يريدون انتزاعه من اعتراف صريح بالضعف، وحينئذ يقنعون بما دون القليل، ويودون لو صدر عنه اعتراف ضمنى بذلك في تأوه أو رعشة ألم، وحتى هذا الاعتراف الضمنى ما كانوا يستطيعون في الغالب سبيلا إلى الحصول عليه، فقد كان الأسير يقطع إربا إربا بدون أن يفتر لسانه عن التغنى بشجاعته والتهكم بأعدائه، فتتجه جهودهم كلمها حينئذ إلى العمل على اسكاته بآية وسيلة، وحتى هذه الغاية السلبية ماكانوا ليستطيعوا في الغالب)) سبيلا إلى تحقيقها الا إذا انتزعوا لسان الأسير انتزاعاً من بين فكيه!
* * *
هذا إلى أنه ليس بلازم في الجرائم الخطيرة أن تكون قد حدثت بالفعل،