/ صفحه 223/
و انما يكفى أحياناً أن يكون قد خيل إلى المجتمع أنها حدثت، وأن حياته يتهددها من جراء ذلك بعض الاخطار، وأنه في حاجة إلى أن يستعيد هدوءه وطمأنينته على نفسه، ففى مثل هذه الاحوال يندفع مطالباً بالقضاء على من تحوم حولهم الشبهات، أو من يكونون موضع سخطه واشمئزازه: كالفرد تنبعث حركاته المنعكسة في الخوف كلما خيل اليه أن خطراً يتهدده، ولو لم يكن هناك أى خطر في الواقع، فكثيراً ما يخيل إلى الشعب أن ثمة خيانة وطنية، أو مؤامرات غدر، أو تجسساً لدولة معادية، أو استغلالا سيئاً للسلطان، فيندفدع مطالباً برءوس الخونة والجواسيس والطغاة والمستغلين، وتجد محاكمه كثيراً من كباش الفداء; مع أنه لايكون هناك في الواقع خيانة ولا مؤامرة ولا تجسس ولا طغيان. ومن هذا القبيل ما حدث في أوروبا المسيحية في أواخر العصور الوسطى وصدر العصور الحديثة، اذ خيل إلى رجال الدين أن السحر قد نشط من عقاله، وأن خطراً داهماً يتهدد العقيدة الدينية من جراء ذلك، مع أنه قد ثبت فيما بعد بالتحقيق التاريخى أن هذا كان مجرد وهم ومحض خيال، ولكن ذلك كان كافياً في اثارة المجتمع وخوفه على دينه، فنشأت تلك القضايا التي اشتهرت في التاريخ باسم ((قضايا السحر)) والتي استأثرت أمداً طويلا يزيد على القرنين (من الخامس عشر إلى أواخر السابع عشر) بنشاط رجال الدين الذين كانوا مسيطرين حينئذ على جميع شئون الحياة، وقد ذهب ضحية هذا الوهم آلاف من الخلق يتألف معظمهم من النساء، لانه كان يظن أن جنسهن أكثر استعداداً لارتكاب هذه الجرائم من جنس الرجال.