/ صفحه 221/
و من هذه الطرق الغريبة كذلك طريقة ((انتزاع الاعتراف بتعذيب المتهم)) التي سار عليها في تحقيق بعض الجرائم الخطيرة عدد كبير من الامم في مختلف العصور، ومن بينها الامم الاوروبية المسيحية في العصور الوسطى والحديثة، وخاصة في ((محاكم التفتيش Inquisition)) الشهيرة التي أنشئت في كثير من البلاد الاوروبية لمحاربة جرائم الالحاد والردة والسحر وما اليها من جرائم العقيدة، وظلت قائمة حتى أوائل القرن التاسع عشر. بل ان الكلمة التي تدل على معنى السؤال أو الاستجواب في كثير من اللغات الاوروبية Puestionتحمل في مدلولها القديم معنى التعذيب، بل لا تزال تحمله في هذه اللغات إلى الوقت الحاضر. وذلك أن الاستجواب كان يصحب غالباً بالتعذيب لانتزاع الاعتراف - وتقتضى طريقة التعذيب هذه أن يسام المتهم مختلف أنواع العذاب حتى يعترف بالجرم - وكان القضاة أنفسهم هم الذين يشرفون على ذلك، وكان الأمر ينتهى بالمتهم في الغالب إلى الاعتراف صادقاً كان أم كاذباً ليتخلص مما يسامه من عذاب، وفي بعض الاحوال ما كان ينتظر اعترافه الصريح لاثبات ادانته، بل كان يكتفى في ذلك بعلامات تافهة كتلجلج صوته أو تقطع نبراته أو اضطراب حديثه أو تفكك عباراته أو احجامه عن الكلام. وقد بقى لهذا النظام بعد الغائه رواسب كثيرة في عدة شعوب، وخاصة في تحقيقات البوليس.
و بعض الشعوب البدائية كانت تلجأ لتعذيب أسرى الحرب لانتزاع اعتراف منهم بخطئهم وضعفهم وقوة قاهريهم، ومن هؤلاء عشائر ((الاباش)) من السكان الاصليين لامريكا الشمالية، فقد بلغ هؤلاء في تفننهم وقوة ابتكارهم لالوان التعذيب التي كانوا يصبونها على الاسرى لهذا الغرض درجة منقطعة النظير تشهد بخصب خيالهم وسعة حيلتهم، أو بالاحرى بخصب خيال نسائهم وسعة حيلتهن، فقد كان بعهد بذلك للنساء، وكن يؤدينه على أعنف وجه، وأشده قسوة، وأدناه إلى طبائع التوحش والافتراس، وكان الباعث الرئيسى على هذا التعذيب أن ينتزع من الأسير، من شدة ما يسامه من الخسف، اعتراف بخطئه وخطأ عشيرته وضعفهم وقوة قاهريهم، وذلك أن قهر الأسير ما كان يتحقق في نظرهم الا إذا ظهرت