/ صفحه 215/
و لم يتفق قط للغة من اللغات أن عاشت بكتاب واحد مدى هذه السنين، فلم تعش لغة اليونان خمسمائة سنة بكتاب هوميروس، ولم تعش لغة اللاتين بعض هذه السنين بلغة فرجيل وهوراس، وذهبت لغة فارس ولغة الهند وفيها من الكتب ما لا يقرأه اليوم غير كهان المحاريب، وماتت لغات أخرى كانت تعيش قبل الاسلام، وبقيت لغة القرآن حية في عالم الديانة، وفي عالم الكتابة، وفي عالم الثقافة، وستحياً غداً كما حييت بالامس، ما شاء الله وصح فيها قول الأستاذ الفقيه: ((انهاليست في هذا المقام عربية الاقليم والجو، ولا عربية النسب إلى أصل ينتسب اليه الجنس.. وصارت عربية الشخصية المعنوية المكونة من عنصرى العروبة والاسلام)).
و لما تكلم عن غايته من التعليم في المعهد الاكبر الذي تولاه قال: ((نريد تخريج تبريز لائمة في اللغة وفروعها، وأئمة في الفقه وأصوله، نريده تخريجاً أساسه النظر العميق والاجتهاد العلمى الذين يكون الشخصية الفقهية والشخصية اللغوية العربية، لا نريده تخريجاً نلتزم فيه مخلفات الماضى من آراء ومذاهب، بل يجب أن نجتهد وأن نؤمن بأن حاجة اليوم في الفقه واللغة وعقائد الدين غيرها بالامس، وأن نؤمن بأن فضل الله في كل ذلك لم يكن وقفاً على الاولين)).
و نستعير من أسلوب الفقيد فنقول: ان الاجتهاد كما أراده هو الاجتهاد بعناصر ((شخصيته)) على تمامها كما ينبغى أن يضطلع به المجتهد في جميع العصور، وهو أتم من ذلك بالنسبة إلى عصرنا هذا الذي نعيش فيه، وبالنسبة إلى العصر المقبل الذي يواجهه المجتهدون عما قريب.
فما من عنصر من عناصر الاجتهاد الا قد ظهر له في هذا العصر باعث يستدعيه لم يكن ظاهراً بهذا الجلاء وهذه الضرورة في عصر من عصوره الماضية.
فهاهنا عنصر النظرة الموحدة إلى الكتاب المبين في العصر الذي ارتفعت فيه حواجز الاستعمار الاجنبى، ووجب أن تحل في مكانها روباط القربى بين أمم الاسلام على تباعد الديار، وتباعد الشيع والمذهب التي لابقاء لها مع توحيد النظرة إلى كتاب المسلمين أجمعين.
