/ صفحه 210/
على العالم المادى تكاد تغفل وتهمل ما عدا ذلك من الجوانب الروحية والشعورية فى الانسان، وأن هذه المدنية فى اندفاعها إلى ايجاد المهارات والكفايات المفيدة فى السيطرة على المادة أوجدت وتوجد باستمرار مجاعة أو مجاعات روحية ونفسية تكتسح هذا الكوكب يعانى منها ملايين البشر فقدان التوازن الداخلى والجوع إلى الاستقرار النفسى، والشعور بالضياع، وانعدام المعنى وعدة المسلمين فى هذه المجاعة أو المجاعات اسلامهم وادراكهم لاخوتهم فى الاسلام.
ثم ان امتداد المدنية الحديثة إلى بلاد الاسلام لايستتبع عادة أى تنقية فى الافكار والاعتقادات الدينية لدى المتأثرين بالمدنية، بل تقل لديهم فرص تنقية هذه الافكار والعقائد بتلقى العلوم الحديثة الوضعية، وممارسة أساليب الحياة العصرية فى العمل أو فى المعيشة، ولا يجعل الانسان أقدر على تصحيح أفكاره الدينية، بل يجعله أميل إلى التقليد واتباع من يظن فيهم التخصص، اذ المغالاة فى الايمان بالتخصص من سمات المدنية الحديثة، ومثل هذا الانسان قد تلقّى أفكاره المتعلقة بطائفة وموقفها من غيرها من الطوائف الاسلامية بلا بحث نقلا عمن يظن أنهم أكثر علماً بها منه، وتلقى معها شحنة الكراهية والعداوة المصاحبة لهذه الافكار، وكل ما يميزه عن سواه أنه يتحاشى ما أمكنه الجهر بهذه العداوة، بينما يمارسها فى الخفاء كل يوم على صور شتى، ومثله فى حاجة إلى جرعة من التقريب قد لا تقل عن الجرعة التى يحتاج اليها من لم يتأثر بالمدنية.
على أنه مما يستوقف النظر فى المدنية الحديثة قدرتها الغريبة على اضعاف نفوذ الاباء والامهات فى جميع البلاد، وهذا قد لايكون شراً محضاً لو أتاح فرصة للاجيال الحديثة من أبناء المسلمين أن تتخلص من تعصب آبائها الطائفى وعداوتهم غير المعقولة.
و اذن ثمة عزلة روحية ما تزال موجودة بين بعض طوائف المسلمين على الاقل مشحونة بالكراهية والعداوة برغم انتشار المدنية الحديثة وطرق النقل والتواصل والاعلام، وبرغم ممارسة أساليب الحياة العصرية فى العمل والمعيشة،