/ صفحه 211/
و ليس لنا أن نعول فى اصلاح ما بين المسلمين على تطور المدنية الحديثة بين طوائفهم، لان تطورها لايسير فى اتجاه الاسلام، وانما يسير فى اتجاه المذاهب والحركات المادية، ولو ترك المسلمون للمدنية الحديثة مهمة ازالة التعصب والعداوة بين طوائفهم فانهاستزيلهما مع ازالة الاسلام نفسه لتحل محلهما تعصباً أشد ضراوة هو تعصب المذاهب والحركات المادية.
و قد قيل فى نعى التقريب على تلك العزلة الروحية وما يصاحبها من اجترار العداوات والاحقاد: ان التقريب يطلب العسير حين يطلب أن يتناسى أهل هذا المذهب أو ذاك أجزاء من ماضيهم الطائفى وتاريخهم المذهبى عزيزة على نفوسهم فيما مواقف وحوادث وتضحيات وبطولات ونماذج يعيش عليها ولاؤهم لمذهبهم وتعلقهم به، والتقريب لايكلف أحداً الا اليسير الميسور، ولايطلب الا ما يتطلبه السلام والعقل من كل جماعة تريد أن تحس العيش فى هذا العالم، وإذا كانت الحروب والفتن والاضطهادات والمذابح والعداوات أحياناً يضىء فى ظلمتها وسوادها وحمقها وقسوتها وفسادها وشرها، تضحيات ومواقف وبطولات ونماذج، من الايثار والثبات على العهد، فذاك أمر عرضى لايهون من تلك الكوارث، ولا يجعلها شيئاً يرغب فى بقائه وبقاء أسبابه، فالذى يبيع السلام بالحرب، والوفاق بالفتنة، والاخوة بالعداوة، والعمار بالخراب من أجل فرص للبطولة، ونماذج للثبات والاثيار أحمق قد بلغ غاية الحمق، وتعويل المذهب فى استبقاء ولاء أنصاره وتعلقهم به على عداوتهم للمذاهب الاخرى أمر لايشرفه ولايشرفهم وهو بعد أمارة ضعف وقصر نظر وقرب ادبار، والنسيان الذى يتطلبه التقريب من أهل المذاهب أمر لا بدمنه لاى سلام حقيقى، فما يمكن أن يقوم سلام أو أمن يبقى إذا ظل الجانبان صباح مساء يرددان أناشيد الحرب، ويقلب كل منهما كل يوم صحف الماضى كى لاينسى ما فيها من المثيرات والاحقاد والعداوات، انما يريد التقريب من أهل المذاهب أن يعطوا أنفسهم عمداً أو قصداً فرصة لنسيان الماضى بعض النسيان تتجه خلالها عيونهم وقلوبهم صوب المستقبل المشرق الذى ينتظر المسلمين إذا تآخوا واتحدوا. ((يتبع))