/ صفحه 208/
المجمع عليه بينهم هو جوهر الاسلام ورأس مال المسلم أيا كان مذهبه، ولا ينقص هذا أو ذاك بانتماء المسلم لاحد المذاهب وتعلقه به، أو نظرته فى الاصلح للقيام بأمر المسلمين، وأنه متى تحقق جوهر الاسلام لانسان فقد انعقدت بينه وبين سائر المسلمين فى كل مكان أخوة فى الله ورسوله، يحرم معها عليه أن يخذلهم أو يعاديهم أو يؤذيهم أو ينحاز إلى من يعاديهم أو يؤذيهم، وليست نقطة البداية هذه من الهينات، لان عامة أهل المذاهب يعتقدون فى الغالب أنهم هم وحدهم الذين فيهم تحققت حقيقة الاسلام، وكثيراً ما يتصورون أن الاخرين من المنتمين لمذاهب أخرى لايعبدون نفس الرب، أو لايتبعون نفس النبى، أو لايقرئون نفس القرآن، أو ليست صلاتهم صلاة، ولا زكاتهم زكاة، ولا حجهم حجاً وأنهم اما كفرة أو زنادقة على الجملة، وتلك حال نشأت من العزلة الطويلة التى فرضها تبادل العداوات من قديم، فصارت كل طائفة تجهل حقيقة اسلام أختها، وتصدق فى شأنها أراجيف و ترهات، وتتمثلها فى صور غريبة من الانحطاط الفكرى والروحى.
قد يقال كما قيل: ان الحديث عن تلك العزلة وآثارها لم يعد له الان موضع بعد أن زحفت المدنية الحديثة على بلاد الاسلام، وقدمت اليها المطبعة والصحافة والاذاعة والسيارة والطيارة والكهرباء والآلات والمصارف والبورصات والتعليم المدني والعلوم الوضعية ومشاركة المرأة فى الاعمال والسياسة، وبعد أن تغيرت عادات المسلمين من حيث مأكلهم ومشربهم ومسكنهم وملبسهم وزينتهم وأشغالهم وفنونهم ولهوهم بل وحزنهم والاحتفال بموتاهم - تغييراً أدى إلى تقريبهم بعضهم من بعض، وإلى ابعادهم عما اعتداه آباؤهم وآباء آبائهم، بحيث ان العين لتجد مثلا بين الايرانى والمصرى الاخذين بالعادات الحديثة من وجوه المشابهة والتقارب ما لا تجده بين كل منهما، وبين جده لو كان فى المقدور رؤية جده بأكثر من عين الخيال، وان ما يرجوه التقريب ويسعى له ويستعجل حصوله حاصل فعلا بلا ضجة ودون أن تتلفت اليه الانظار بقوة التقدم الحضارى الذى يكتسح بلاد الاسلام، وان من وصلت اليهم المدنية الحديثة من المسلمين لم يعوداوا يهضمون الخلافات الدينية، أو ينظرون إلى ما يحدث بسببها من شغب وعنف الا على أنه حمز مخجل
