/ صفحه 20/
في غزوة تبوك: عسرة الماء، وعسرة الزاد، وعسرة الدواب، وعسرة الحر، وعسرة الصحراء، بل عسرة المشاهد القاسية التي مرت بالمؤمنين في مراحل الجهاد، كالتي حصلت في غزوات أحد، وحنين، والأحزاب، ثم تلحق الآيات بالنبي ومن معه في التوبة عليهم، ثلاثة من أصحاب رسول الله تخلفوا عن غزوة تبوك وصدَقوا الله ورسوله، فلم ينتحلوا أعذاراً، فأرجأ الله أمرهم عن أمر المتخلفين من المنتحلين والمعتذرين، وأدبهم الرسول بالمقاطعة خمسين يوما حفظاً لهم من المعاودة، واختباراً لهم في صدق الإيمان ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)).
ولما كانت هذه العاقبة الطيبة، عاقبة التوبة عليهم، تنزل من السماء، إنما حصلوا عليها، وأكرموا بها جزاء صدقهم وتقواهم، وجه الله لعباده المؤمنين جميعا هذا النداء:((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)) لينالوا بالصدق والتقوى مثل هذه العاقبة التي حصل عليها هؤلاء من توبة الله ورضوانه. ثم تختم الآيات ببيان أنه ما كان ينبغي لأهل المدينة، وهي العاصمة الإسلامية التي هاجر إليها الرسول، وبايعه أهلها على النصرة والمنعة، أن يتخلفوا عنه فيما يدعوهم إليه من وسائل العزة والكرامة، وذلك فضلا عما أعد لهم عند الله من الجزاء العظيم في مقابلة ما يصيبهم في أنفسهم أو أموالهم، أو يقومون به ضد الأعداء ((ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظلماً ولا نصب ولاغ مخمصة ف ي سبيل الله ولا يطئون موطئاً (ينزلون مكانا) يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا (قتلا أو أسراً أو غنيمة) إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا يُنفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)).
فإذا كان ما يصيبهم في سبيل الله من مشاق، وما يغيظون به الكفار،
