/ صفحه 19/
الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله)). (التائبون) الذين يطهرون قلوبهم بالتوبة من الشرك والنفاق والمعصية (العابدون) الذين يملئون قلوبهم بخشية الله والخضوع له (الحامدون) الذين يرطبون ألسنتهم بالثناء على الله (السائحون) الذين يرتحلون بأنفسهم لتعرّف أسرار الله في كونه، والنظر في آياته (الراكعون الساجدون) الذين يقيمون الصلاة الخاشعة يؤدون بها حق الله، وبذلك كملوا أنفسهم في ظاهرها وباطنها، ثم عرفوا حق عباد الله عليهم فكملوهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانوا بعد ذلك، وفي كل هذا واقفين عند حدود الله، محافظين عليها، ملتزمين لها (والحافظون لحدود الله) لا يقصدون سمعة ولا رياء، وإنما يبتغون فضلا من الله ورضوانا.
وقد كان من حدود الله التي رسمها في هذه السورة وفي غيرها مقاطعة المؤمنين للمشركين كيفما كانوا: فأعلمتهم الآيات أن هذه المقاطعة ليست خاصة بالأحياء منهم، وإنما هي تشمل من مات منهم على الكفر والعناد، ومقاطعة هؤلاء هي عدم الاستغفار لهم، فكان من كمال الإيمان ومن حدوده ألا يستغفر النبي والذين آمنوا معه للمشركين ولو كانوا أولي قربى، من بعد ما تبين لهم ـ بموتهم على الكفر ـ أنهم أصحاب الجحيم، ولما كان الله قد أمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم (عليه السلام). وقد استغفر إبراهيم لأبيه، بيَّن لهم أنه لا يصح استنادهم على ذلك في استغفارهم لأولي قرباهم فقال:((وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبيَّن له أنه عدوّ لله تبرأ منه)).
ثم أزال عنهم خوف العقاب على ما سبق منهم من الاستغفار لأقاربهم المشركين قبل هذا البيان بقوله: ((وما كان الله ليضل قواماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)) والمعنى أن الله لا يصف قوماً بالضلال، على فعل شئ ما إلا بعد أن يبين لهم حرمته، بياناً شافياً لا شبهة فيه.
ثم قررت الآيات توبة الله على النبي والذين اتبعوه في ساعة العسرة والشدة