/ صفحه 18/
التعاقد بين الله والمؤمنين:
بعد هذا تنتقل السورة بالحديث إلى المؤمنين:((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم، التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين)).
والآية الأولى:((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة))، تصور وعد الله للمؤمنين بصورة عقد بين بائع وهم المؤمنون، ومشتر وهو الله سبحانه، على مبيع هو أنفس المؤمنين وأموالهم، وثمن هو الجنة، وتبين أن استحقاق البائع للثمن لا يتوقف إلا على الدخول في معمعة القتال، وسواء بعد ذلك قَتل وغَلب، أو قُتل وغُلب، ومعناه أن استحقاق المؤمنين للجنة لا يتوقف على موتهم في سبيل الله، وإنما هم يستحقونها بالقتال وإن لم يُقتلوا ((يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)).
ثم بعد أن يصور الوعد الكريم هكذا يذكر جملة من مؤكدات الوفاء بالثمن ((وعداً)) والله لا يخلف وعده ((عليه)) كتبه على نفسه ((حقاً)) ثابتاً لا يعتريه محو، وهو بعد هذا في الوثائق الإلهية قديمها وحديثها ((في التوراة والإنجيل والقرآن)) ثم هو بعد ذلك كله من الله ((ومن أوفى بعهده من الله؟)) ثم يوجه إلى البائعين، وهم المؤمنون، خطاب التكريم، يزف إليهم البشرى، بربح الصفقة، والفوز بنعيمها المقيم ((فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم)).
ونظراً لما تضمنه هذا التعاقد من مكانة العلو السامية التي يشغلها هؤلاء المؤمنون، والمؤمنون فيهم وفيهم، استدعت الحكمة ـ وضعاً للأمور في نصابها، وبياناً لهم على وجه الحقيقة ـ أن يكشف عنهم، وأن يُبرزهم بأؤصافهم التي تهيئهم لتلك المكانة، وتجعلهم المثل الأعلى للمؤمن الكامل، فتقول: التائبون العابدون
