/ صفحه 151/
التكتل ونسيان الفوارق، وأن يدخلوا في أحداث العالم، ومشاكله وقضاياه الدينية والفكرية كمسيحيين فقط، لا كمذهبيين، وكم أذاع في سبيل ذلك من بيانات ونصائح وعظات، وكم استقبل رجالا دينيين على غير مذهبه، وطالبهم بما كان يسميه البعض ((بالتعايش المسيحى)) وأهم نشاط قام به لتحقيق ذلك كان هو عقد مؤتمر المجمع المسكوني في الفاتيكان في 11 أكتوبر سنة 1962، وهذا المجمع لم يجتمع - في الفاتيكان - الا مرة قبل ذلك في سنة 1870.
فاذا كان هذا هو شأن النصرانية في ابان تسلط دولها، ونهضة شعوبها، وتبوئها في العالم الحاضر مقام القوة والمنعة، فما بالنا نحن المسلمين وقد مرت بنا قرون وقرون ما زلنا نرنو بأبصارنا إلى آثار خلاف قد اندثر، ويحاول بعضنا أن ينفخ في الرماد ليوقد ناراً قد أطفأها الله.
هل يعمق مدى اختلافنا بين الشيعي والسني مثلا، أكثر مما يعمق مدى الاختلاف بين طوائف النصارى والعياذ بالله؟
كلا! ان أصولنا واحدة، وقواعد ايماننا واحدة، وقبلتنا واحدة، وصلواتنا واحدة، وكتابنا واحد، ورسولنا واحد، وانما اختلفنا حيناً من الدهر في نظريات ومعارف، ليست أساسية بالنسبة لاصولنا الجذرية، وعقائدنا اليقينية، وقد مضى هذا العهد بما فيه، ولم يعد شيء مما كان يهز المسلم ويستثيره من تلك المشكلات الصورية، يهز أحداً من أهل البصيرة والايمان الراسخ الان في أى شعب من شعوب الأمة الاسلامية الواحدة.
و نحن مع هذا أحوج إلى التكتل لنحيا أقوياء في هذا العالم الذي يتكتل من حولنا، والذي يحاول أن يهضمنا حقنا، ويستغل فرقتنا، ويعرقل رسالتنا، ليضرب بعضنا ببعض، ويؤلب فريقاً منها على فريق.
* * *
و هنا لايسعنا الا أن نحيي ((دار التقريب)) التي فطن رجالها إلى ذلك منذ زمان بعيد، ونسجل لها السبق في هذا الميدان، فانها منذ نشأتها تعمل على التقريب بين طوائف المسلمين قبل المحاولة البابوية الاخيرة لجمع صفوف المسيحيين، بل وقبل محاولة ((اكومتيك)) المعروفة من قبل الطوائف غير الكائوليكية.