/ صفحه 145/
ففى زمن عمر فتحت الشام والعراق، وسكن الناس في الريف ومواضع الخصب، وأصبحوا في سعة من العيش، وكثرت الثمار، وأقبلت عليهم الدنيا، فأكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر رضى الله عنه في العقوبة تغليظاً عليهم وزجراً لهم عنها.(1)
و ما فعله عمر رضى الله عنه لا يعد استحداث حكم جديد، وانما هو دليل على أن هذه العقوبة تعزير يترك أمره إلى الحاكم، ويختلف باختلاف الظروف، ولهذا اختلف الحكم باختلاف الاحوال التي جدت أيام عمر رضى الله تعالى عنه.
على أن عمر رضى الله عنه لم يلتزم الجلد ثمانين دائماً، قال وبرة: ((و كان عمر إذا أتى بالرجل القوي المنهمك في الشرب ضربه ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كان منه الزلة ضربه أربعين)).(2)
و يمضي الزمن ويأتي عثمان بن عفان رضى الله عنه خليفة على المسلمين، فلا يلتزم الجلد ثمانين، قال حصين بن المنذر: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد(3) قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران(4) أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: انه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارّها من تولى قارها(5) ]فكأنه وجد عليه[ (6) فقال: يا عبدالله بن جعفر، قم فاجلده،

ــــــــــ
(1) شرح النووي: 5/ 125.
(2) اعلام الموقعين: 1/ 255.
(3) هو الوليد بن عقبة بن أبى معيط الذي نزل فيه قوله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)) كان والياً على الكوفة، وكان شراباً للخمر سىء السيرة، صلى بالناس الصبح وهو سكران، ثم التفت اليهم فقال: أزيدكم؟ فقال بعضهم: وما تزيدنا؟ لا زادك الله من الخير، وحصب الناس الوليد بحصباء المسجد، فشاع ذلك في الكوفة، فاستحضره عثمان وأقام عليه العقوبة.
(4) حمران: مولى عثمان رضى الله عنه.
(5) يقال في المثل: ول حارها من تولى قارها. أى ول شرها من تولى خيرها. قال النووى: الضمير عائد إلى الخلافة والولاية، أى كما أن عثمان وأقار به يقولون هنىء الحلافة ويختصون به يتولون نكدها ومكروهاتها، والمعنى: ليتول هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقار به الادنين.
(6) حقد عليه.