/ صفحه 128/
لم أكثر من الاستشهاد لما أخذ النقاد على أبي تمام، لأن ذلك قريب من القارئ لو أراد، فما هو إلا أن ينظر في كتاب الموازنة للآمدي، أو كتاب الموشح للمرزباني، حتى يجد من ذلك شيئاً كثيراً.
ومع ذلك فلا نغفل هنا بعض ما يناسب هذا الحديث.
ولعل أول ما يدل على الصنعة في الشعر، ومجافاة الطبع أن يجئ الشعر غير مُستو، ويتفاوت تفاوتاً شديداً، وهكذا كان شعر أبي تمام فجيده لا يتعلق به جيد غيره، ورديئه ـ كما عبر بعضهم ـ ((بحر من القاذورات)).
وأشد التفاوت قبحاً ما كان في البيت الواحد.
حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:
(مات الخليفة أيها الثقلان)
قال فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس; نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال:
(فكأنني أفطرت في رمضان)
قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.
ولأبي تمام من هذا اللون أبيات، من ذلك قوله في مدح قوم:
كانوا رداء زمانهم فتصدعوا * * * فكأنما لبس الزمان الصوف
فقد تفاوت هذا البيت أشد التفاوت بين الإساءة والإحسان، ذلك أنه ابتدأ ابتداء رائعاً، فجعل هؤلاء القوم زينة الزمن، وكفاة العاني، وأمان الخائف، ثم شعبتهم شعوب فتفرقوا، وتعرى الزمن، وفقد أهله العون والنصير، وقد ذكر ذلك في أروع عبارة، وأفخم لفظ، فلما جاء للشطر الثاني أدركه كلال الطبع، وسوء التصرف، فجاء الشطر متهافتاً يكاد يسقط إعياء، وحسبنا أن نتخيل هذه الصورة (زمن يلبس الصوف).