/ صفحه 129/
ومن الأمثلة التي ذكرها الآمدي في العيب على أبي تمام، وعلق عليها تعليقاً لطيفاً هذا البيت:
جارى إليه البينُ وصلَ خريدة * * * ماشت إليه المطلَ مَشيَ الأكبد
فقد عده من ردئ الاستعارات وقبيحها، وقال في شرحه: الهاء في ((إليه)) راجعة إلى المحب، يريد أن البين ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري; فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه، يريد فجرى البين ليمنعه فجعلهما متجاريين، ثم أتى بالمصراع الثاني بنحو من هذا التخليط فقال:(ماشت إليه المطل مشي الأكبد) فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقل مماطل، فجعل عزمها مشياً، وجعل المطل مماشياً لها.
ثم قال الآمدي بعد هذا الشرح:
فيامعشر الشعراء والبلغاء، ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ الا تسمعون؟ الا تضحكون؟
ولا عجب أن يضيق صدر هذا الناقد الذواقة بمثل هذه الاستعارات التي لا يمكن الدفاع عنها إلا مع التعسف والشطط، والتنكر لكل القيم الجمالية في الأدب.
أراد هذا الشاعر أن يجدد، ولا يمكن لإنسان أن يقف في تيار التجديد، لأنه طبيعة الزمن، ولكن ينبغي أن يحذر كل من يريد التجديد من عثرات الطريق، ومن خداع النفس والحس، ومن الغرور الذي يخيل إليه أن اللغة طوع يمينه، وأن الناس، أدباءهم ونقادهم، أهون من أن يقفوا في طريقه.
وهذا أبو تمام ركب رأسه في أكثر من ثلث شعره فهجنه، وأذهب ماءه، وألب الناس عليه، وتلك عقبى الإفراط، وثمرة الإسراف.
