/ صفحه 127/
صدرنا بها هذا البحث:((ولست أقول هذا غضا من أبي تمام، ولا تهجيناً لشعره، ولا عصبية عليه لغيره، فكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه، وأنتحل موالاته وتعظيمه، وأراه قبلة أصحاب المعاني، وقدوة أهل البديع)).
فالفرق واضح بين موالاة الرجل، وذكر الحق في شأنه، فما من شك في أن أبا تمام أساء في كثير من استعاراته، وفي كثير من أبياته التي أكثر فيها من ألوان البديع، أما حين يترك نفسه لسجيتها، ويستجيب لطبعه فإنه يبلغ القمة في حسن التعبير والتأثير، ألا يعجبنا قوله:
أعوام وصل كاد ينسى طيبها * * * ذكرُ النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت * * * نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها * * * فكأنها وكأنهم أحلام
ولو أن أبا تمام أنصف نفسه فأسقط من شعره ما كان يرى أنه ردئ لسلم شعره من شر كبير، ولكنه كان يعرف البيت الردئ فيبقى عليه، ويحتج بأن شعر الرجل مثل أبنائه يكون منهم القبيح المتخلف فهو يعرف أمره، ويرى مكانه، ولا يشتهي أن يموت.
ولو أن خصوم أبي تمام لم يسرفوا في عداوتهم له لقد كانوا وجدوا أنصاراً كثيرين، فإن الحق معهم في كثير مما عابوه عليه، ولم يكن من حقه أبداً أن يقول:((أنا اللغة)).
ولو أن أنصار هذا الشاعر اقتصدوا في تعصبهم له، والتزموا الجادة عند تفضيله على غيره، واعترفوا بما يعلمون في شعره من اقتسار للألفاظ والمعاني أحيانا، لو أنهم فعلوا ذلك لا تبعهم كثير من النقاد، لأن الإنصاف يحبب الناس في المنصفين، واتباع الحق يشرح الصدور للنصرة والموالاة، ولما قابل المنحرفون عن أبي تمام إفراطاً بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه ـ كما يقول الآمدي ـ.
ولكن الرجل كما ابتلي بتسلط نفسه عليه، ابتلي كذلك بأنصاره وخصومه على السواء.
