/ صفحه 126/
ثم عاب الجرجاني على أبي تمام كما عابه من سبقوا الجرجاني بأنه اجتلب المعاني الغامضة، فاحتمل فيها كل غث وثمين، وذلك ولا شك من أثر صدور الشعر عن فكر، وعقل، ووعي، والشعر لمح تكفي إشارته، ويغني عن شعره كذبه، ومن الخطأ أن يخضع للمنطق ـ كما يقول الشاعر البحتري ـ.
وقد سمع أعرابي قصيدة أبي تمام التي مطلعها:(طلل الجميع لقد عفوت حميدا) فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها، فإما أن يكون قائلها أشعر الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه.
وقد دافع بعض الكتاب المحدثين عن غموض المعاني عند أبي تمام، ورأى أنه ليس على الشاعر أن ينزل إلى الجمهور، وإنما على الجمهور أن يرتفع إلى الشاعر، والشعر حين يرقى ويصبح ترفاً يكون للمثقفين ثقافة عميقة دون العامة.(1)
وقد أطال في هذا الدفاع، ولكن الكلمة الوحيدة التي ينبغي أن تقال هنا، إن الشعر لم يكن يوماً من الأيام فصلا من فصول الثقافة، ولا كان وسيلة لإرضاء العقل، وتزويده بما يريد أن يتزود.
وإذا كان النقاد في القرن الثالث، وفي القرن الرابع قد سخطوا شعر أبي تمام، أو على وجه الدقة بعض شعره، فإننا لا نزال وقد امتد بنا الزمن نشعر بمثل ما كانوا يشعرون به حين نقرأ شعر أبي تمام.
فلا زلنا ننكر هذه الاستعارات البغيضة التي أسرف أبو تمام في إثقال شعره بها، ولا زلنا ننكر المعاني الغامضة التي لا تفهم إلا بعد العناء والمشقة في استخراجها.
وأحب أن أقول بعد هذه المرحلة القصيرة إن الإسراف كان طابع الخصومة حول أبي تمام، وإن للرجل شعراً لا يعلوه شعر غيره من معاصريه، وقد أنصف علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة إذ قال بعد أن ساق عباراته التي
ــــــــــ
(1) الدكتور شوقي ضيف في كتابه:((الفن ومذاهبه في الشعر العربي)) وقد كتب فصلا رائعا عن أبي تمام، لكنه أراد نفسه على أن يحتج له، ويشيد بما أنكره النقاد وهو ـ فيما أعتقد ـ دفاع العالم، ونحن إنما يعنينا دفاع الأديب.
