/ صفحه 125/
و((البديع)) لعله يحمل العبء الأكبر في فساد شعر أبي تمام، فقد قالوا: أول من أفسد الشعر بالبديع مسلم بن الوليد، ثم اتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه وأراد ألا يخلو بيت من شعره من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وعرا، واستكره الألفاظ والمعاني ففسد شعره.
وبذلك خالف الأوائل، فإن الشاعر منهم كان يقول من هذا الفن البيت في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع وكان يستحلي ذلك منهم إذا أتى نادرا، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل.(1)
وكان أبو تمام متأنقا في كل شئ حتى في مطعمه وملبسه، فسرى حب التأنق إلى فنه، ولكنه تنكب الطريق الصحيح فأثقل شعره بالبديع فكرهه أصحاب الأذواق العربية السليمة.
وقد أعجبتني كلمة للآمدي في وصف شعر أبي تمام تعبر أقوى تعبير، وتعرب أتم إعراب عما يجده القارئ لأبيات البديع، وصف الآمدي هذا الشعر بقوله: ذهبت طلاوته، ونشف ماؤه، فهذه الكلمة الأخيرة ((نشف ماؤه)) من أدق ما يقوله ناقد نفاذ في وصف أبيات البديع التي بناها أبو تمام، فإنما الشعر رونق وطبع وماء كماء الشباب في خدود الغيد الحسان.
والكلام المطبوع سهل عذب، وله ماء ورقة وحلاوة، أما الكلام المتكلف فمعقد كز، وجاس غليظ، وهكذا كان بعض شعر أبي تمام.
وطبيعة الشعر القديم تميل إلى السهولة والقصد إلى المعنى، والاعتدال في الأحكام، أما الإسراف والمبالغة فمن طرائق المحدثين.
ولذلك نجد المحافظين من الشعراء والعلماء يفضلون الشعر القديم، لأنه جاء عن طبع وإسجاح، كما يفضلون الشعراء الذين يسيرون على نهج القدماء، ولذلك كانوا يفضلون البحتري ويقدمونه على أبي تمام، لأنه حسن العبارة، حلو الألفاظ، صحيح المعاني.

ــــــــــ
(1) البديع لابن المعتز: ص 16. ط: الحلبي.