/ صفحه 124/
فيها زور) فاستحسنها وقال: سأروض نفسي في عمل مثلها، فجعل يخرج إلى الجنينة ويشتغل بما يعمله، ويجلس على ماء جار، ثم ينصرف بالعشي، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام، ثم خرق ما عمل، وقال: لم أرض ما جاءني.
فهذه المعاناة الشديدة، وذلك الاحتفال الغريب لتقليد أرجوزة أبي نواس لا يمكن أن تخرج شعراً عليه طلاوة الطبع، وسماحة الفطرة، بل هي جديرة أن تقوده إلى الألفاظ الوعرة، والكلمات الوحشية، والتعقيد والكزازة، وذلك ما كان في جزء كبير من شعر أبي تمام.
وقد قال الآمدي: إن أبا تمام رأى بعض الكلمات الغريبة التي لم يستعملها الأوائل إلا نادرا فأحب ألا تفوته، فأكثر منها في شعره، وهي كلمات لم يعرف الأصمعي معناها.(1)
وكان أبو تمام ربما سئل عن بعض المعاني فيرشد إلى الموضع الذي أخذها منه، وكانت رغبته في الإغراب ربما دعته إلى استعمال ألفاظ مستكرهة يستعاذ بالله منها، فهي ـ كما يقول المرزباني ـ من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها، لأنها لا تجاور بأمثالها، ولا تتبع بأشكالها، فكأنها تشكو الغربة في كلامهم!
ومن غرام أبي تمام بالإغراب أنه بكر باستعمال مصطلحات العلوم، وربما كان أول شاعر ذهب هذا المذهب، وما كنت أظن أن شاعرا قديما كأبي تمام يقصد إلى هذا النحو من التعبير، رأيت ذلك في قوله في الخمر:
لقد تركتني كأسها وحقيقتي * * * مجاز، وصبح من يقيني كالظن
ففي أوائل القرن الثالث لم تكن كلمتا الحقيقة والمجاز قد شاعتا، بل إن المجاز الذي عرف في كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 211هـ، وفي ((معاني القرآن)) للفراء المتوفى سنة 207هـ، لم يكن مجازا بالمعنى الذي شاع فيما بعد عند علماء البلاغة، والغريب حقا هو قرن المجاز بالحقيقة في هذا البيت.

ــــــــــ
(1) الموازنة: ص 243. ط: محي الدين.