/ صفحه 123/
والوزراء في ترجمة كثير من الكتب اليوناينة والفارسية، حتى قيل إنه لم يبق علم من العلوم التي ألف فيها الهنود والسريان والفرس واليونان إلا ترجم منها في العلم الواحد الكتاب أو الكتابان أو الثلاثة، ما عدا السحر وعبادة الأوثان.
كان ذلك في عصر المأمون، وفي هذه الفترة وما وليها عاش أبو تمام في بغداد، وكان حريصا على القراءة والدرس، فتثقف ثقافة واسعة، ويروي ابن المعتز عن محمد بن قدامة أنه قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلى وسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام إنك لتنظر في الكتب كثيرا، وتدمن الدرس فما أصبرك عليها، فقال: والله، مالي إلف غيرها، ولا لذة سواها، واني لخليق إن أتفقدها أن أحسن.(1)
وما زال أبو تمام يعب من هذه الدفاتر وأمثالها حتى أطلق عليه الناس لقب ((العالم)).
ويبدو أن ذاكرته كانت قوية، حتى قيل إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير المقاطيع والقصائد.(2)
بهذه الثقافة الواسعة دخل أبو تمام رياض الشعر فظهر أثر هذه الثقافة في شعره، وبذلك بعد عن الطبع، ذلك أن الشعر إذا صدر عن وعي لم يكن شعرا، فهو ربما أرضى العقل، ولكنه لا يرضي العاطفة، وهل الشعر إلا عاطفة؟!
ولنرجع إلى كلمة صاحب الوساطة لنرى ما عابه المحافظون على أبي تمام، وما جعلهم من أجله يتعصبون عليه، ويحاولون إسقاطه.
كان أبو تمام يحاول الاقتداء بالأوائل، فيأتي بألفاظهم، وينسج على منوالهم، وتلك طريق كثيرة العثار، فإن الشعر إذا أصبح صنعة يصنع كما تصنع الثياب على حذو ثياب أخرى بعدت عن الطبع، وبذلك يقل ماؤها، ويغيض رواؤها، رووا أن أبا تمام سمع أرجوزة أبي نواس التي مدح بها الفضل بن الربيع (وبلدة

ــــــــــ
(1) طبقات الشعراء لابن المعتز: ص 284.
(2) معاهد التنصيص: ج 1 ص 38: ط. السعادة.