/ صفحه 122/
وكان الأصمعي الذي يقول فيه بعض الأدبار الكبار: ما رأيت أحداً قط أعلم بالشعر من الأصمعي ولا أحفظ لجيده، كان هذا شديد التعصب على المحدثين، وكان شديد التبرم بالخطأ الذي يقع في أشعارهم، حتى لقد روي عنه أنه قال: كنا نظن الطرماح شيئاً حتى قال:
وأكره أن يعيب على قومي * * * هجائي الأرذلين ذوي الحِنات
لأنها إحنة وإحن، ولا يقال: حنات، فأسقط شاعراً أموياً مشهوراً لأنه أخطأ في كلمة، ولو أردنا أن نعرف رأيه في أبي تمام على هذا القياس لقلنا: إنه كان لايعد أبا تمام إنسانا!
كأن تهمة أبي تمام الأولى أنه خرج عن عمود الشعر العربي، وأن كلامه لا يشبه كلام الأوائل، ومن هنا أبغضه المحافظون.
ولعل مفتاح المسألة عندي أبيات قالها أبو تمام يتحدث فيها عن الشعر، جاء في مدحه لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي:
إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما * * * تمهل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسها * * * من المجد فهي الآن غير غرائب
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت * * * حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت * * * سحائب منه أعقبت بسحائب
فأبو تمام يريح (عازب الشعر) وقصائده (غرائب) وهي (صوب العقول) لا وليدة العواطف.
في هذه الأمور الثلاثة يكمن السر في تجديد أبي تمام.
نشأ أبو تمام بمصر، وكان ـ كما يقال ـ يسقي الماء بجامع الفسطاط، وفي هذا الجامع آنذاك حركة علمية ناشطة، يجلس فيه العلماء، ويفد إليه المتعلمون، ويحتدم الجدل والمناقشات حول مسائل كثيرة، وما من شك في أن أبا تمام الغلام الذكي المغترب جلس إلى هذه الحلقات، وأخذ كثيراً منها، وحين رجع إلى بغداد وجد حركة علمية واسعة النطاق، وجد المترجمين ينشطون بتشجيع الخلفاء والولاة
