/ صفحه 121/
أما أبو تمام ((فإنه ـ كما يقول صاحب الوساطة ـ حاول من بين المحدثين الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
فكأنما هي في السماع جنادل * * * وكأنما هي في القلوب كواكب
فتعسف ما أمكن، وتغلغل في التصعب كيف قدر، ثم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع فتحمله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية، فاحتمل فيها كل غث ثقيل، وأرصد لها الأفكار بكل سبيل، فصار هذا الجنس من شعره إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدّ الخاطر، والحمل على القريحة، فإن ظفر به، فذلك بعد العناء والمشقة، وحين حسره الإعياء، وأوهن قوته الكلال، وتلك حال لا تهش فيها النفس للاستماع بحسن، أو الالتذاذ بمستظرف، وهذه جريرة التكلف)).(1)
وإنما سقت هذه الفقرات لأنها على وجازتها خير جماع رأي خصوم أبي تمام، وسر الحملة العنيفة التي أثارها ضده المتعصبون عليه من علماء اللغة، وعلماء النحو، والأدباء المحافظين، والشعراء المتحاملين، والنقاد الذين يتمتعون بذوق عربي سليم، ومن هؤلاء وأولئك ابن الأعرابي والأصمعي والمبرد والمرزباني والآمدي ودعبل بن علي الخزاعي الذي أسقط أبا تمام من قائمة الشعراء في كتابه الذي ألفه في الشعر وكان يقول: لم يكن أبو تمام شاعرا، وإنما كان خطيبا.(2)
وقد بلغ من تعصب ابن الأعرابي على أبي تمام أن قال وقد أنشد شعراً لأبي تمام: إن كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل، ويروى: إن كان الشعر ما يقوله أبو تمام فليس معنا منه شئ، وإن كان الشعر ما تقوله العرب فليس مع أبي تمام منه شئ. بل كان يكره أن يروي له شعراً أو يسمع اسمه.
ــــــــــ
(1) الوساطة بين المتنبي وخصومه ص: 19. ط: الحلبي.
(2) الموشح للمرزباني: ص 304.
