/ صفحه 120/
ومن علمائنا المحدثين من يلتمس العذر لأبي تمام، ولكنه لا يلتمسه في تأويلات النحويين، وتخريجات أهل اللغة، وإنما يلتمسه في حق الشاعر أن يخالف قواعد اللغة، وأنه إذا كان من السائغ في الكوفة والبصرة في القرن الأول الهجري أن يحرم على الشاعر أن يتصرف في اللغة، فليس ذلك سائغاً ولا مقبولا في بغداد في القرن الثالث، بل إنه يظن أننا ((أصبحنا نعتقد اللغة ملكا لكل شاعر وكل كاتب، فهو ـ إذن ـ يجب أن يصرفها لا أن تصرفه)).(1)
وهذا الكاتب هو الذي نعى على شعراء المهجر أنهم حين آنسوا ضعفهم في اللغة اتخذوا هذا الضعف مذهبا.
وملكية الشعر للغة هي بعينها كلمة أصحابنا ((أنا اللغة)) وقد غبر أبو تمام حياته ينظم وهو يعتقد أن اللغة ملكه، ولكنه لم يصرح بذلك حتى جاء القرن العشرون فإذا كبير من باحثيه يتطوع بها لأبي تمام.
وعلى الرغم من أن الفرزدق ثار في وجه العلماء، وتصرف في بعض أشعاره في اللغة، إلا أن الخصومة العلمية لم تقم حول جديده وقديمه، لأن الرجل لا جديد له يمكن أن يقال إنه خرج به عن عمود الشعر العربي، وكل ما ثار عليه من جدل يتمثل في تقديمه على جرير أو تقديم جرير عليه.
وجاء مسلم بن الوليد بجديد من أسلوب الشعر هو ما سمي بالبديع، وجاء أبو نواس بجديد، ونعى على العرب بكاءهم الأطلال في أول قصائدهم، وكان في حلبة مسلم بن الوليد بشار بن برد وغيره من شعراء البديع، ولكن الخصومة لم تثر حول واحد من هؤلاء، وإنما ثارت حول واحد فقط، واشتدت وعنفت هو أبو تمام.
ويرى الدكتور محمد مندور أن الخصومة لم تنشأ حول مذهب أبي نواس، لأن دعوته ((لم تعد أن تكون محاذاة للشعر القديم، والمحاذاة أخطر من التقليد، وذلك لأننا كنا نفهم أن يدعو إلى نوع جديد من الشعر، وأما أن يحافظ على الهياكل القديمة للقصيدة، مستبدلا ديباجة بأخرى... فذلك ما لا يمكن أن يعتبر خلقا لشعر جديد)).(2)

ــــــــــ
(1) من حديث الشعر والنثر: ص 176 للدكتور طه حسين.
(2) النقد المنهجي: ص 73.