/ صفحه 119/
أليست هذه العبارة كعبارتنا التي نناقشها منذ شهور تعلن أن اللغة طوع ألسنة هؤلاء القائلين، وأنهم المتصرفون فيها كما يشاءون، ولو رغم أنف اللغويين والنحويين؟
بلى، وهي في الوقت ذاته انطلاق في آفاق مجهولة لا يقف السائر فيها عند حاجز يحجزه، أو قانون يرده عن غايته، ولا منار يهديه إلا ادعاؤه أنه بلغ من كمال القوة اللغوية ما يجعله حرا في أن يخلق ما يشاء من أوضاع اللغة، ثم يجمح به الخيال والغرور فيرى أن من حقه على الناس أن يتقبلوا كل ما يجئ به، لأنه ـ على الأقل ـ أولى بالاتباع من الأعرابي الذي يأكل الشيح والقيصوم، وهو ـ على حد تعبير بعضهم ـ شخص مجهول لا يعرفنا ولا نعرفه، أما الشاعر المعاصر، أو الشاعر القديم الذي يعرفنا ونعرفه فهو جدير بأن نتقبل قوله... هكذا يجادل بعض النقاد الكبار في شأن اللغة.
ولا شك أن أفرادا آخرين من الشعراء بعد الفرزدق رددوا هذه الكلمة، واتخذوها قانوناً لهم، ولعل من أشهرهم: أبا تمام حبيب بن أوس الطائي، وإن كنت لم أقرأ في تاريخه كلمة تشبه كلمة الفرزدق، لكني رأيته في بعض ما يجيب يشير إلى معنى هذه الكلمة.
سأله عالمان جليلان، وناقدان بصيران(1) بالشعر بعد سماع بعض قصائده: لم لا تقول ما يفهم؟ فأجابهما: وأنتما، لم لا تفهمان ما يقال؟
ومضى أبو تمام يحوك وشيه، ويخترع معانيه، وفي سبيل ذلك لا يبالي أحداً من اللغويين أو النحويين، ولا يعبأ باللحن في اللغة، ولا بقوانين الخليل بن أحمد في العروض، ولا بموازين النقاد في الأساليب، حتى قال المنتصرون للبحتري عن لحن أبي تمام إنهم لو راموا أن يخرجوه من شعره لكثر ذلك واتسع، ولوجدوا منعه ما يضيق العذر فيه، ولا يجد المتأول له مخرجا منه إلا بالطلب والحيلة والتمحل الشديد.
ــــــــــ
(1) هما أبو سعيد الضرير، وأبو العمثيل الأعرابي، وكانا من أعلم الناس بالشعر، وكان عبدالله بن طاهر والي خراسان رسم ألا ترفع إليه قصيدة حتى تعرض أولا عليهما، فلما قصده أبو تمام وسمعا قصيدته أنكرا عليه، وأجابهما بما أجاب.
