/ صفحه 116/
وهذا المسجد هو مسجد الضرار الذي وردت قصته في سورة التوبة أيضاً، وانتهى أمره بهدم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) له بعد رجوعه من غزوة تبوك.
ولكن هذا كله لم يضعف من الروح المعنوية للمسلمين، لأن قوة العقيدة فيهم كانت فوق كل قوة في الأرض، لأنها قوة الحق الذي يعلو على كل قوة، وقد تكفل الله تعالى بنصره إذا استقام أهله عليه ولم ينحرفوا عنه، فما إن شاع بين العرب أن الروم يقصدون إلى غزو المدينة حتى بادر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) إلى الاستعداد لغزوهم قبل أن يغزوه، وكان لهذا أثره في تقوية نفوس المسلمين، وفي بقاء الانهيار المعنوي بين القبائل العربية التي نقضت عهودها معهم، فلم يجاوزوا نقض العهود إلى حربهم كما كان يريد أبو عامر الراهب وأذنابه من منافقي المدينة، وكانوا أشد ضراوة على المسلمين هم وأبو عامر من تلك القبائل.
وقد مضى المسلمون في استعدادهم للغزو بكل عزم، لأنهم عرفوا أنهم لو بدر منهم وهن في عزيمتهم لكان له أسوأ أثر فيما وصلوا إليه ببذل دمائهم وأموالهم، وقد تغلبوا بقوة عزمهم على ما كانوا فيه من عسر وشدة بتوالي الحروب عليهم، وكان لوحدتهم واتحاد كلمتهم أكبر أثر في ذلك أيضا.
وكانوا يزدادون عزماً على غزو الروم قبل أن يغزوهم كلما ازداد المنافقون في تثبيطهم وتخويفهم من قوة الروم، وكان عبد الله بن أبي رئيس المنافقين في المدينة يقول في تثبيطه للمسلمين: يغزو محمد بني الأصفر ـ الروم ـ مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال.
وهكذا كان أذناب الروم من العرب يغترون في جاهليتهم يقوة الروم، وكان أذناب الفرس منهم يغترون بقوة الفرس، ويريدون أن يبقوا أذناباً للفريقين في مستقبل القرون، إلى أن أثبتت قوة العقيدة في المسلمين أن قوة الروم لم تكن إلا خرافة، وأن قوة الفرس لم تكن إلا خرافة، لأنهما كانتا قوتين رجعيتين تقومان على الباطل، والباطل لا أساس له، وكان هذا حين اشتبك المسلمون بالفريقين معاً عقب وفاة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وجمع الإسلام بينهم في أمة واحدة بعد أن كانت متفرقة إلى قبائل متعادية.
