/ صفحه 115/
له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، فقال أبو عامر: فأنا عليها، فقال له: إنك لست عليها، فقال له: بلى، ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال ما فعلت، ولكن جئت بها بيضاء نقية.
فلما كان يوم أحد قال أبو عامر للنبي (صلى الله عليه واله وسلم): لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فانضم إلى المشركين الذين يعبدون الأصنام يقاتل المسلمين معهم، وهو يزعم أنه على حنيفية إبراهيم التي لم تقم إلا للقضاء على عبادة الأصنام، وهذا يدل على أنه لم يكن إلا جاسوساً سياسياً للروم بين العرب، وأن مثله كمثل المبشرين المسيحيين الآن في اتخاذهم الدين وسيلة للسياسة، وإيثارهم لأغراضها على أغراضه.
فلما انهارت مقاومة المشركين للمسلمين في حنين لم يجد إلا أن يلجأ لسادته من الروم ليعمل على تقوية النفوس المنهارة بين المشركين، ويجمعهم بعد هذا على حرب المسلمين، فخرج إلى الشام يريد الروم ليثيرهم على حرب المسلمين قبل أن يتمكنوا من جمع كلمة العرب على الإسلام، وكان هذا قبيل غزوة تبوك.
وما إن وصل إلى بلاد الشام حتى أرسل رسله إلى قبائل العرب أن الروم سيقصدون إلى حرب المسلمين، فبادر أكثر هذه القبائل إلى نقض عهودها كما سبق، ثم أرسل إلى منافقي المدينة: أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه من المدينة، ولا شك أن هذا هو ما جاء في الآية السابقة:((وهموا بإخراج الرسول)) مما غفل المفسرون عنه في تفسيرهم للآية كما سبق.
ثم أشار على هؤلاء المنافقين أن يبنوا لهم مسجدا خاصا بهم في المدينة يحدثون به تفريقاً بين المسلمين، ويجتمعون فيه وحدهم لتدبير المؤامرات اللازمة لنجاح مؤامرته، فإذا نجح في حمل الروم على غزو المسلمين أتى إليهم فاجتمع بهم فيه، ومضى في تدبير مؤامرته التي ترمي إلى أخذ المسلمين من الداخل والخارج، ليتم له ما يريد من إخراجهم من المدينة، وليس بعد إخراجهم منها إلا تشتيتهم في بلاد العرب والقضاء عليهم.