/ صفحه 117/
ثم مضى المسلمون في ذلك العزم القوي إلى تبوك، فلم يجدوا فيها أحداً من الروم كما أشاع أبو عامر وأذنابه بين العرب، ولعله كان يريد به ما يسمى الآن حرب أعصاب يقوي به النفوس المنهارة بين مشركي العرب، ويضعف به النفوس التي تتزايد قوة عزيمتها بين المسلمين، ولعله يكون له من ذلك أن يحول دون الوحدة التي توشك أن تتم بين العرب، فكان لغزوة تبوك أحسن الأثر في القضاء على تلك المحاولة الدنيئة، وإن لم يكن فيها قتال ونصر، وإنه ليكفيها ذلك الأثر الذي قضى على محاولة إثارة عوامل التفرقة، وجعل وحدة الأمة تمضي في طريق النجاح إلى ما قدره الله تعالى.
وكان ما أراده الله من قيام حكم صالح في المسلمين يكون قدوة لحكام العالم، فكان فيهم نبوة أرحم بهم من أنفسهم، وكان فيهم خلافة رشيدة أشبه شئ بالنبوة، إذ كان الخليفة يقوم فيهم كأحدهم، ولا يمتاز بأدنى شئ عليهم، وليس كما كان قيصر الروم أو كسرى الفرس إلهاً أو شبه إله، لا يسأل عما بفعل في حكمه، ولا تدنو منزلة أحد من منزلته، وإنما الخليفة فرد من أفراد الناس يأكل مما يأكلون أو أدنى منه، ويلبس مما يلبسون أو أقل منه، ويخالطهم في غدواتهم وروحاتهم، فلا يعرف من لا يعرفه أنه خليفة عليهم أو حاكم فيهم، وهو مسؤول في حكمه أمام الله أولا، وأما الأمة ثانيا، والأولى مسؤولية أخروية، والثانية مسؤولية دنيوية، وكل منهما تكمل صاحبتها، ولا يستغني بإحداهما عن الأخرى، وهذه ميزة الحكومة في الإسلام على غيرها من الحكومات، وإنما لم تكف فيها مسؤولية الحاكم أما الأمة لأنها قد تفسد وتجر حاكمها معها إلى الفساد، فتسير معه في سبيل الطغيان، ويدركها من غرور العظمة ما يدرك الأمم الطاغية، فلا تكون كما يريد الإسلام خير أمة للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتكون في حكمها الصالح قدوة لحكومات العالم.
وهذا هو الحكم المثالي الذي ضربه الإسلام مثلا في العالم بحكم الخلفاء الراشدين، وهو حكم الشورى الذي يراد به خير الناس جميعا على اختلاف أديانهم وأجناسهم، وهو الحكم الصحيح في الإسلام.