/ صفحه 114/
فكبر على الروم الاستعماريين أن يتطاول العرب بالإسلام إلى أن يكونوا أمة تنهض في ركب الحضارة، وتساوي فيه غيرها من الأمم، ولا يبقوا أمة متفرقة إلى قبائل يكون بعضها منطقة نفوذ للروم، وبعضها منطقة نفوذ للفرس، ويقاتل بعضها بعضاً فيما يدور بين الأمتين الاستعماريتين من حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وكانت دولة المناذرة بالعراق وما إليها من قبائل الجنوب منطقة نفوذ للفرس، ودولة الغساسنة بالشام وما إليها من قبائل الشمال منطقة نفوذ للروم، وكان منافقو المدينة ممن يشايع الروم معهم.
فلم يجد الروم إلا أن يحركوا أذنابهم من العرب ويثيروهم على المسلمين، ليمنعوهم من الوصول إلى ذلك الغرض النبيل بينهم، وهو غرض يعود خيره إلى أولئك الأذناب كغيرهم من العرب، ولكنه الجهل الذي يعمي الجاهل عما فيه الخير له ولأمته، ويجعله يؤثر أن تكون تابعة لغيرها على أن تكون مستقلة بحكم نفسها، والتاريخ يعيد نفسه، فلم يفعل الروم من هذا إلا ما يفعله الآن خلفهم من الأمم الاستعمارية في أوربا من تصيد أذناب لها بين العرب يساعدونها على أغراضها الاستعمارية فيهم.
ولأمر ما ينقض أكثر القبائل العربية عهودهم فجأة مع المسلمين قبيل غزوة تبوك، ولأمر ما يكشف منافقو المدينة القناع عن نفاقهم قبيل هذه الغزوة، ويخوفون المسلمين من قتال الروم بكل وسيلة عند ما وصل إليهم أنهم يريدون غزو المدينة، فإذا دل هذا على شئ فإنه يدل على أن أصابع أجنبية تلعب بينهم، وتغريهم بالمال وغيره على إضعاف الروح المعنوية في المسلمين وتقويتها في مشركي العرب، بعد أن قضى المسلمون في حنين على آخر محاولة للمشركين في مناوأة الإسلام، ليستمر المشركون في مناوأته من الداخل، ويأخذ الروم في مناوأته من الخارج، ويتمكنوا معاً من هزيمة المسلمين وإخراجهم من المدينة.
وكان أبو عامر الراهب أكبر ذنب للروم في بلاد العرب، وقد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر، فلما قدم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) المدينة قال
