/ صفحه 110/
(6) أنه جعل نصوصه التشريعية التي قرر بها أصول الأحكام العملية وقواعد السلوك، ونصوصه العلمية التي وجه بها العقول والأفهام إلى ما في العوالم الكونية من علوم وأسرار، جعلها مسايرة في دلالاتها ومعانيها لتفاوت الناس في أفهامهم وحاجتهم إلى العلم والعمل، فأودع فيها من ظواهر المعاني وأصول التشريع ومناهج السلوك، وأسرار العوالم الكونية وحقائق العلوم الإلهية، ما جعلها مورداً عذباً ينهل منه كل وارد على قدر استعداده وحاجته إلى العلم والعمل، فيجد أهل البادية في معانيها الظاهرة وتشريعاتها الواضحة، ما يساير حياتهم ويتمشى مع بداوتهم، ويكفي لتدينهم ومعاملاتهم، ويجد أهل الحاضرة في الأصول التشريعية التي تحتاج إلى تعمق في البحث والاستنباط والتطبيق، ما يساير حياتهم ويتمشى مع حضارتهم ويكفي لتدينهم وسلوكهم، ويتسع لما يحدثه تطور الحياة المدنية من أقضية ومعاملات، ويجد طلاب العلوم في إشاراتها إلى مساتير العلوم الكونية والسنن الإلهية، ما يوجه عقولهم إلى ما في العوالم الكونية من الدلائل على عظمة خالقها وجلال فاطرها، وما فيها من سنن الله في تسخيرها للإنسان وانتفاعه بها في المعاش وفي المعاد، وبذلك مهد الإسلام لكل امرىء طريق الوصول إلى حاجته من العلم والعمل.
وهذه الحقائق التي أشرنا إليها لا تحتاج إلى أدلة تقام عليها من واقع هذه النصوص، فحسبك نظرات واعية في القرآن الكريم والسنة النبوية، لترى هذه الحقائق بأجلى معانيها وأكمل صورها.
(7) أنه جعل تكاليفه العملية متمشية مع تفاوت المكلفين في قدرتهم على العمل وتطلعهم إلى الكمال، واختلاف أحوالهم في عروض الضرورات والأعذار، فجعلها مشتملة على الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات، والعزائم(1) والرخص، وعدد مراتب العمل ومنازل السلوك، ودرجات الثواب والجزاء، ليجد فيها كل عامل ما يناسب أحواله الخاصة به، وبذلك فتح الإسلام مجال العمل

ــــــــــ
(1) العزيمة هي الحكم الذي شرع ابتداء غير مبني على أعذار العباد كالوضوء، والرخصة هي ما شرع ثانيا على خلاف الحكم الأصلي لأعذار العباد كالتيمم.