/ صفحه 107/
فلا يجب على العامي(1) أن يلتزم في تدينه مذهباً معينا من مذاهب الأئمة، بل له أن يقلد بعضها في بعض الوقائع وبعضها في بعض آخر وهكذا، ولو التزم مذهبا معينا فله أن ينتقل إلى غيره، على شرط أن يكون التقليد بجميع صوره قائما على حسن النية والأخذ بالإيسر الذي لا يوقع في الضيق والحرج، بعيداً عن بواعث الهوى والتعصب، وقصد التلاعب وتتبع الأقوال الضعيفة والمذاهب الشاذة.
فكل من قلد من عامة المسلمين تقليداً كلياً أو جزئياً أي إمام من أئمة الحق، والتزم في تقليده هذه الحدود التي تقدم ذكرها، فإنه لا يكون في تقليده هذا خارجا عن دائرة التشريع الإسلامي ومقاصده، ولا متعديا حدود القدوة الصالحة المستبصرة، والأسوة الحسنة الواعية، ومتابعة غير العالم لأهل العلم والمعرفة، فإن أساس هذا الدين الحنيف السمح، إنما هو حسن النية، وسلامة الاعتقاد، والإخلاص لله في القول والعمل، وكل إمام من أئمة الحق له في بحر النبوة ورد وله منه شرب، واختلافهم في الاجتهاد لا يعتبر تفرقا في الدين ولا تجريحاً للمختلفين، وإنما هو اختلاف في الأفهام ومناهج البحث والاستدلال، وتوسعة من الله على عباده ورحمة بهم، فقد يكون في بعض المذاهب الاجتهادية من التيسير ما ليس في البعض الآخر، فكثير ما تتفاوت المذاهب الفقهية شدة ويسراً، وإن كانت في مجموعها لا تخرج عن دائرة الأصول الشرعية التي بنيت عليها.
فالتعصب للمذاهب الفقهية وتوسيع شقة الخلاف بينها بدافع الجمود وضيق الأفق والوقوف من المسائل الخلافية موقف التنطع والتزمت، والتضييق على الناس فيما جعله الله يسراً وتوسعة، والحجر عليهم في تقليد من وجدوا في تقليده من الأئمة تيسيراً عليهم وحلا لمشاكل حياتهم، كل ذلك لا يتفق مع يسر الإسلام وسماحته، ولا مع تعاليمه ومقاصده، بل ولا مع طريقة أئمة المذاهب أنفسهم، فإنهم كانوا لا يرون في اختلاف الأفهام والأنظار غضاضة ولا تجريحاً،
ــــــــــ
(1) المراد بالعامي عند الأصوليين: من ليس له أهلية الاجتهاد وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد.
