/ صفحه 106/
ولهذا طالب الإسلام كل قادر على النظر والاجتهاد، ببذل الوسع في استنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية، مع شدة الاحتياط والتثبت من صحة الأدلة والاستدلال بها، ومراعاة قوانين اللغة العربية في أوضاعها وأساليبها، والانتهاء في ذلك كله إلى الحد الذي يفيد الظن القوي بإصابة حكم الله تعالى، فإن معرفة الأحكام العملية يكفي فيها الظن القوي كما تقرر في أصول الفقه.
وجعل للمجتهد الذي أصاب حكم الله في الواقع أجرين، أجراً على الاجتهاد وأجراً على الإصابة، وجعل للمجتهد الذي أخطأ حكم الله في الواقع أجراً واحداً على الاجتهاد، كما قال (صلى الله عليه واله وسلم) فيما رواه البخاري وغيره:((إذا اجتهد الحاكم فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد))، وفي رواية أخرى:((من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد)).
وأوجب بالإجماع على كل مجتهد أن يعمل بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، لأن المجتهد الذي بذل ما في وسعه لمعرفة الحكم الشرعي، لا يسعه إلا أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده واطمأن قلبه إلى أنه حكم الله تعالى، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأباح لغير القادرين على الاجتهاد أن يقلدوا من شاءوا من أئمة المسلمين وعلمائهم، الذين استنارت عقولهم وبصائرهم بهدى الكتاب والسنة، وامتلأت قلوبهم بالخوف من القول في دين الله بغير حجة، وعرفوا بالرسوخ العلمي وسلامة الاعتقاد، واستقامة التفكير، واعتدال مناهج النظر والاستدلال، والتحرر من تحكم الهوى وسيطرة التعصب، ونقلت عنهم مذاهبهم نقلا يفيد الثقة والطمأنينة، لقوله تعالى:((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))، وقوله (صلى الله عليه واله وسلم) فيما رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي:((عليكم بسنتي وسنة خلفاء الراشدين المهديين))، وقوله (صلى الله عليه واله وسلم):((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) وللإجماع على أن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يقلدون من شاءوا من العلماء، وأنهم كانوا يقلدون بعضهم في بعض المسائل وبعضهم في البعض الآخر، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف إنكار أو حجر على العامة في ذلك،