/ صفحه 105/
وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وفيما رواه الدار قطني:((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها))، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على أن الأصل في المسكوت عنه الإباحة.
فهذه الأصول العامة لا يتطرق إليها خطأ في وضعها ولا قصور في كفايتها وصلاحيتها لكل زمان، لأنها من وضع الخبير الذي أحاط بكل شئ علما، وإنما قد يقع الخطأ والقصور في الاستنباط منها والبناء عليها لأنهما من عمل العقول والأفهام، فقد يقع الخطأ في الاستنباط منها لخفاء بعض حلقات الاستنباط والاستدلال أو فقدانها، وقد يقع القصور في تطبيقها للجهل أو للجمود وضيق الأفق في الفهم والتفكير.
وأما الشؤون الدنيوية فأن بيانها ليس من مقاصد التشريع السماوي، بل وكل أمر تدبيرها وتصريفها إلى عقول الناس ومواهبهم، كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وئسلم فيما رواه مسلم:((أنتم أعلم بأمر دنياكم))، وفيما رواه أحمد:((ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به))، ولفت عقولهم إلى هذه الشؤون التي لابد منها في حياتهم، وأرشدهم إلى أبواب الوصول إليها والانتفاع بها، كما في قوله تعالى:((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه))، ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه))، وعلى العقول بعد ذلك أن تتعرف أنواع هذه الشؤون ومقدار الحاجة إليها، وكيفية الانتفاغ بها على النحو الذي يحقق سعادة المعاش وسعادة المعاد.
(3) أنه بنى على أساس الاجتهاد في فهم نصوصه وأصوله، واستنباط الأحكام العملية منها، وتطبيقها على ما يحدث من الوقائع والأقضية والمعاملات، فإن بناء التشريع الإسلامي على أساس النظر والاجتهاد، هو الأنسب لبلوغ الإنسان طور النضوج والرشد، والأوفق بتطور الحياة الإنسانية في حضارتها ومدنيتها، والمحقق لكفايته وصلاحيته لكل زمان.