/ صفحه 104/
الناس وسلوكهم.
إذ ليس من شأن التشريع العام الباقي على وجه الزمان، أن يبين بالتفصيل أحكام كل ما يمكن أن يحدث على تعاقب الأجيال وتجدد الزمان، وإلا لعجزت العقول والأفهام عن إدراكها والإحاطة بها، وإنما شأنه في البيان ووضع مناهج الإصلاح وقواعد السلوك، أنه يبين بالتفصيل الجوانب التشريعية التي لا مجال للعقل في حقائقها وكيفياتها، والتي تستطيع الأفهام أن تحيط بها لانحصار أنواعها واتحاد صورها في كل زمان كالعبادات ويبين بالإجمال الجوانب التشريعية التي للعقل مجال في حقائقها وكيفياتها وعللها، والتي لا تستطيع الأفهام أن تحيط بجزئياتها المتجددة بتجدد الزمان كالمعاملات، وذلك بوضع الأصول العامة التي تشمل ما يكون موجوداً منها في عهد التشريع وما يحدث منها في مستقبل الزمان، فإن كل ما يحدث منها لا يخرج عن كونه منصوصاً عليه أو على نوعه، أو مسكوتا عنه بأن لم يرد فيه دليل شرعي يخصه أو يخص نوعه، فإن كان منصوصاً عليه بأن كان صورة لما وقع في عهد التشريع وتقرر له حكم خاص، فإنه يأخذ الحكم الذي تقرر له، وإن كان منصوصاً على نوعه بأن كان جزئياً لما تقرر له حكم عام، فإنه يأخذ الحكم الذي تقرر لنوعه، لأن الحكم على العام حكم على جزئياته، وإن كان مسكوتاً عنه ولكنه نظير لمنصوص عليه بأن كان مساوياً له في علة حكمه، فإنه يأخذ حكم هذا النظير لمساواته له في علة الحكم، لأن إلحاق المسكوت عنه بنظيره المنصوص عليه أصل تشريعي عند جمهور العلماء، وهذا الأصل هو المسمى عندهم بالقياس الشرعي، وإن كان مسكوتاً عنه وليس نظيراً للمنصوص على حكمه، فإنه يأخذ حكم المسكوت عنه وهو الإباحة الأصلية، فإن الأصل في الأشياء عند الجمهور هو الإباحة، لقوله تعالى في سورة البقرة:((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً))، وفي سورة الأعراف:((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق))،وفي سورة الأنعام قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة... الآية))، فجعل الأصل الإباحة والتحريم مستثنى، وقوله (صلى الله عليه واله وسلم) فيما رواه الترمذي وابن ماجة:((الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه،