/ صفحه 103/
التشريع السماوي ومراحله، فألهبت عقله وفكره أطوار الحياة وأحداثها، وبلغت به سنة الترقي طور النضوج والرشد وتركزت في أكثر شعوبه أصول الاتجاهات الخلقية والفكرية والعملية، وتقاربت بينها طرائق الحياة والصلات والمعاملات، وأعدته الشرائع السماوية السابقة التي تقلب في أطوارها لإدراك أدق دلائل التوحيد والتنزيه، وإحكام الفكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض، واستجلاء آيات الله الكونية والتشريعية، وفهم أصول التشريع العام وتطبيقها على ما يعرض له في حياته من أحداث وأقضية، وبذلك أصبح مستعداً لمرحلة تشريعية عامة يتولى زمام قيادتها رسول واحد، وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يعقد لواء هذه القيادة العامة للقائد الأعظم والرسول الأكرم، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وبذلك توحدت القيادة التشريعية السماوية في مرحلتها الأخيرة.
(2) أنه بنى على أصول تشريعية تتسع لشؤون الحياة على اختلاف عصورها وتطور حضارتها ومدنيتها، لأنه التشريع الذي جعله الله مهيمنا وحاكما على جميع الشرائع السماوية السابقة، فنسخ منها الفروع العملية التي روعي في تشريعها أحوال أمم خاصة في أزمان خاصة، كما قال الله تعالى في سورة الأعراف:((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم))، أي التكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم في شرائع أنبيائهم، وستبقى منها مالا يختلف التكليف به باختلاف الأمم والأزمان، وزاد عليها الأصول والفروع التي اقتضاها رقي الإنسان واتساع نطاق العمران، وبذلك اجتمعت له الأصول التشريعية وفروعها في دائرة الكمال والخلود، كما قال الله تعالى:((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))، فالتشريع الإسلامي بهذا الإكمال لا يحتاج إلى تعديل أو تكميل مهما تعاقبت الأجيال وتغيرت أوضاع الحياة، واقصى ما يحتاج إليه هو اجتهاد العلماء في استظهار أصوله وتطبيقها على اعمال
