/ صفحه 102/
الصحيح أنه بعث بكتبه ورسله إلى هرقل ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس عظيم القبط بمصر، والنجاشي ملك الحبشة، والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، يعلمهم ببعثته ويدعوهم إلى الإسلام، وعلل ذلك بقوله لأصحابه:((إن الله قد بعثني رحمة للناس كافة)).
النوع الرابع: ما جرى عليه الصحابة والخلفاء الراشدون من تبليغ دعوة الإسلام تبليغاً عاماً، كما علموا ذلك من آيات القرآن وأقوال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وأعماله كما تقدم، وقد انعقد على ذلك إجماع المسلمين في جميع العصور الإسلامية.
فهذه الدلائل القولية والعملية تدل دلالة قاطعة، على أن الرسالة المحمدية رسالة عامة للأشخاص والأزمان في دعوتها وتشريعها، وأن ما يتقوله الجاهلون المضللون من أن التشريع الإسلامي خاص بالعرب وحدهم، أو بمن كانوا في عهد نزوله وخوطبوا به، إنما هو جهل بأصول الإسلام ومبادئه، وافتراء للكذب وتضليل للعقول وفساد في العقيدة، وتمرد على قدسية الميثاق الذي أخذه الله على النبيين وأتباعهم من الأمم، كما قال الله تعالى في سورة آل عمران:((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشهادين، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون))، فأتباع النبيين تابعون لهم في أخ ذ هذا الميثاق ووجوب الوفاء به، وأنبياؤهم شاهدون بذلك على أنفسهم وعليهم، والله تعالى شاهد على الجميع، وكفى بالله شهيداً.
وإنما تفرد التشريع الإسلامي بين التشريعات السماوية بكونه تشريعا عاما خالداً، لأنه التشريع الذي اكتملت له عناصر العموم وأسرار الخلود، كما يتجلى ذلك فيما نذكره من الأسرار التشريعية الآتية:
(1) أنه التشريع الذي نزل من السماء وقد مر على الإنسان أزمان وأطوار كثيرة، كان فيها بين علو وسقوط، وارتفاع وهبوط، وتقلب في كثير من أطوار