/ صفحه 99/
ويعلل ابن خلدون عدم تذوق الجديد بأنه غريب، فقد جاء في المقدمة عند الكلام على أشعار العرب، وأهل الأمصار بعهده ما نصه: " ولهم ـ يريد عرب هذا الجيل ـ فن آخر، كثير التداول في نظمهم، يجيئون به معصبا على أربعة أجزاء، يخالف آخرها الثلاثة في رويه، ويلزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربع والمخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولدين، ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون، والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد، وخصوصاً علم اللسان يستنكر صاحبها هذه الفنون التي لهم إذا سمعها، ويمج نظمهم إذا انشد، ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الاعراب منها، وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم، فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الافات في فطرته ونظره، ولمقتضى الحال من الوجود فيه، سواء كان الرفع دالا على الفاعل، والنصب دالا على المفعول أو بالعكس، وانما يدل على ذلك قرائن الكلام، كما هو في لغتهم هذه، فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة، فاذا عرف اصطلاح في ملكة، واشتهر صحت الدلالة، وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود، ومقتضى الحال صحت البلاغة، ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك، وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الاعراب في أواخر الكلم؛ فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام، لا بحركات الاعراب " (1).
ولسنا نحب أن نناقش رأي ابن خلدون هنا في حكمه بأن الاعراب ليس ضروريا للبلاغة، لأن غرضنا ـ فقط ـ أن نثبت رأيه في تعليل كره المحافظين للجديد.
* * *
ورأينا بجانب هؤلاء نقادا وأدباء ومتأدبين يدعون على القديم بالويل والثبور

*(هوامش)*
(1) ص 583. ط: التجارية.