/ صفحه 98/
وكان الشعراء يعرفون في الرواة هذا التعصب الأعمى، فكانوا يطالبونهم بالانصاف، أنشد ابن مناذر أبا عبيدة معمر بن المثنى قصيدته في رثاء عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي التي مطلعها(1):
كل حيي لاقي الحمام فمودي ما لحي مؤمل من خلود
وقد عارض بها أبا زبيد الطائي في قصيدته التي مطلعها:
إن طول الحياة غير سعود وضلال تأميل نيل الخلود
وقد وصفها ابن قتيبة بأنها من جيد شعره.
ولما أنشد ابن مناذر قصيدته قال لأبي عبيدة: احكم بين القصيدتين، واتق الله، ولا تقل: ذاك متقادم الزمان، وهذا محدث متأخر، ولكن انظر إلى الشعرين واحكم لأفصحهما وأجودهما.
وكان المأمون الخليفة العباسي ـ مع ثقافته الواسعة ـ يتعصب للأوائل من الشعراء، ويقول: انقضى الشعر مع ملك بني أمية (2).
وعذر هؤلاء الرواة والنقاد وأمثالهم أن واقع الاداب يؤيد أن الأشعار القديمة هي خير ما أنتجته العقول: " فمن الثابت لدى معظم النقاد أن خير أشعار الأمم هو ما قالته أيام بداوتها الاولى، وفي تاريخ الأدب العربي ما يزيد من رجحان كفة قديم الشعر على حديثه، وهو صدور القديم عن طبع وحياة، وصدور أغلب الحديث عن تقليد وفن"(3).
ويرى ابن رشيق ان الذي دعاهم إلى ذلك إنما هو حاجتهم في الشعر إلى الشاهد وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة.
*(هوامش)*
(1) قال أبو العباس المبرد: " ومن حلو المراثي، وحسن التأيين شعر ابن مناذر، فانه كان رجلا عالما مقدما، شاعرا مفلقا وخطيبا مصقعا وفي دهر قريب فله في شعره شدة كلام العرب بروايته وأدبه، وحلاوة كلام المجدثين بعصره ومشاهدته، ولا يزال قد رمى في شعره بالمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المتسق النبيل ".وأكثر القصيدة مذكور في الكامل ج 2 ص 267 وما بعدها من رغبة الامل.
(2) ديوان المعاني ج 1 ص 362.
(3) النقد المنهجي عند العرب ص 13، للدكتور محمد مندور.
