/ صفحه 100/
وعظائم الامور؛ فهذا يدعو إلى تحطيم عمود الشعر العربي مرة واحدة، وذاك يحكم حكما لا يحتمل ـ عنده ـ نقضا بأن الشعر العربي كله هراء، ومهزلة بين الاداب العالمية، وثالث يشبه القديم (بالحلاوي المحمضة) ويدعو بالويل لمن لا يماشي الزمان، ويظل قاعداً أمام دكنه ينش الذباب عن هذه (الحلاوي المحمضة) (1)!.
والمعتدلون يبقون على القديم اعتزازا به، ولما فيه من سحر وبلاغة، وإن كان بعضهم يرى أنه لا يصلح لزماننا هذا.
كتب أبو القاسم الشابي الشاعر التونسي المعروف فصلا يقول فيه: " إذا كنت أدعو إلى التجديد الأدبي وأعمل له، فإن ذلك لا يدفعني إلى الهزء والسخرية بآداب الاجداد، بل إنني لأومن كل الإيمان بما فيها من جمال وسحر قوى، وأعتقد أنها قد آتت في عصورها الحية لأجدادنا كل ما طمحت إليه أشواقهم من غذاء قوي دسم، ولكنني أومن إلى جانب ذلك أن في الحياة آفاقاً مجهولة ساحرة غير ما في الأدب العربي من آفاق، وأن هذا الأدب إذا كان قد سد خلة آبائنا الروحية، فانه لعاجز كل العجز عن أن يشبع ما في أرواحنا من جوع وعطش وطموح، وأنه إذا كان لزاماً علينا أن نعجب بهذا الادب، ونفخر به كحلقة من سلسلة الجميل فان ذلك الاعجاب لا ينبغي أن ينقلب في نفوسنا إلى تقديس فعبادة فجمود، فإطباق لابصارنا عن كل ما في السماء من أشعة ونجوم.
هذا رأيي، وهذا بعض ما دعوت إليه في كتابي: " الخيال الشعري عند العرب " وما أحسب في مثل هذا شيئا من الغلو والاغراق، أو تنقص أدب الأجداد أو الزراية عليه " (2).
ولعل نظرة الشابي هذه هي نظرة الكثرة من دعاة التجديد، وإن كان فيهم من يرتفع بالاداب العربية القديمة فوق هذا المستوى الذي وضعها فيه هذا الشاعر.
*(هوامش)*
(1) جدد وقدماء: ص 139، لمارون عبود.
(2) مجلة أبو لو سنة 1933 ص 1172، الشابي حياته في شعره ص 57 لأبي القاسم كرو.
