/ صفحه 97/
ويقول الاصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر سنين، فما رأيته يحتج ببيت إسلامي.
وتحمل المبالغة والتعصب أبا عمرو هذا على أن يقول عن المولدين: ما كان من حسن فقد سبقوا اليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم.
هذا في الوقت الذي يروي فيه الأصمعي رواية تدلنا على مدى حب أبي عمرو لشعر المحدثين، قال الأصمعي: كان أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الاعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال فينصرفان.
وفي الاغاني ان الذي كان يأتيه مع خلف الأحمر هو خلف بن أبي عمرو ابن العلاء (1)، وهذه الرواية عندي أصح، لما هو معروف من كراهية أبي عمرو لمثل بشار، ولما هو معروف أيضا من هيبة أبي عمرو وعظمته حتى إنه مات ولم يجرؤ أحد على أن يسأله عن اسمه، حتى اختلف فيه على واحد وعشرين قولا، فبعيد أن يتواضع لبشار.
فإن تكن الرواية الاخرى صحيحة، حملت على أن أبا عمرو وأضرابه كانوا يتقون لسان بشار، ويخشون هجاءه.
ولا تقل عداوة ابن الاعرابي لشعر المحدثين، وتعصبه للقديم عن صاحبه ابي عمرو، فقد كان يقول عن شعر أبي تمام: إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل.
وقد يحمله تعصبه على مالا يليق بالعلماء من التناقض والتوسط، فقد عرضت عليه أرجوزة على أنها لأحد شعراء العرب الأقدمين فقال: هذا هو الديباج الخسرواني، فقيل له: إنها لأبي تمام، فقال على الفور: من أجل هذا أرى عليها أثر الكلفة.
حتى الأصمعي ضرب في هذه القضية بسهم، فقد كان يقول: بشار خاتمة الشعراء والله، لولا أ ن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم (2)، فجعل الفضيلة للزمن.

*(هوامش)*
(1) الأغاني: ج 3 ص 190، والرواية الأولى رواية الخطيب القزويني في الايضاح في باب " أحوال الاسناد الخبري ".
(2) الاغاني: ج 3 ص 143. ط. دار الكتب.