/ صفحه 96/
حرب علمناها على الجديد في الأدب العربي هي إعراض الرواة عن رواية شعر بي دؤاد الايادي، وشعر عدي بن زيد التميمي، لمخالفتهما ـ زعموا ـ مذاهب الشعراء (1).
ولهذا لم يزد ما اختاروه لعدي على ستة أبيات، مع انه قريب عهد بكبار الشعراء الذين روى لهم، إذ عاش في القرن الخامس الميلادي وأوائل السادس، وقد ذكر الرواة أنه من أصحاب القصائد، وكان على خيل المنذر بن النعمان، وكان من رواة امرئ القيس، وقد سئل الحطيئة: من أشعر الناس؟ فقال: من يقول:
لا أعد الاقتار عدما ولكن فقد من قد رزئته الاعدام
يعني: أبا دؤاد.
وذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء نقلا عن الاصمعي تعليلا آخر فقال: والعرب لا تروي شعر أبي داؤد وعدي بن زيد، وذلك أن ألفاظهما ليست بنجدية (2). كما ذكر أن علماء العرب لا يعدون شعر عدي حجة (3).
وليس هذا المعنى مقصوراً على النقاد من العرب، بل كان غيرهم كذلك، وقد حدثوا ان (هوراس) الشاعر الروماني كان يرى أن شعراء اليونان هم النماذج التي يجب أن تدرس ليلا ونهارا، فإن الشعر ـ كما يقول ـ ينبغي أن ينظم كما كانوا ينظمون.
أما الرواة واللغويون من العرب فقد كانوا ينظرون إلى القديم بعين الاجلال والتقديس، يدافعون عنه، ويناضلون دونه، ويركبون الشطط أحيانا في الاحتجاج لما عساه يكون على غير المنهج منه، وهم في الوقت ذاته يعرضون عن الجديد إعراضا تاما، حتى ليظهر أثر التشيع للقديم في كل أقوالهم وأفعالهم، وفي سلوكهم عند الدراسة والاختيار، وربما ركبوا في ذلك ما لا يقره عقل ولا منطق.
سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما واحداً من الجاهلية ما قدمت عليه أحداً.
وكان يرى الفرزدق ـ الذي أحيا ثلث اللغة ـ وجربرا ـ الذي غلب ثمانين شاعرا ـ كان يراهما وأشباههما من المحدثين فيعرض عن شعرهم مع إقراره بجودته ـ كما يقول ـ: " لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته ".

*(هوامش)*
(1) الاغاني ج 15 ص 96.
(2) ص 69: ط التجارية.
(3) ص 63.