/ صفحه 95/
منذ آدم إلى وقته، ويبين ما في كل طور من مساوئ يقول قولته المشهورة: " ما فسد الناس، وإنما اطرد القياس ".
ويتلطف بطرس البستاني، ويرفق بأنصار القديم، ويحجهم بالمنطق فيقول:
قل لمن لا يرى الأواخر شيئا ويرى للأوائل التقديما
إن هذا القديم كان حديثا وسيبقى هذا الحديث قديما
* * *
وواضح أن هذه العداوة بين القديم والجديد لن تهدأ لأنها ـ كما يبدو ـ عداوة طبيعية حقا، وما أحسن هذا التشبيه الذي أورده أحد النقاد حيث جعل هذه العداوة كالعداوة بين الكنة وحماتها: " تكون الحماة أرجح عقلا، وأوفر علما، وتراها الكنة أختا للغوريلا، وأنثى الكهوف، أما الحماة فتقف بالمرصاد كعداد التكسي.. إذا حكت الكنة فهي ثرثارة، لسانها أطول من أذنيها، وإن سكتت فهي حمارة ".
وبعد أن يعدد أمثلة مما ترمي به الكنة الحماة حتى تراها أقل من خرقة باليه أولى لها أن تلقى في المطبخ، وما ترمي به الحماة الكنة حتى لتراها طاعوناً يهدد ولدها بعد هذا يقول: " وهذه مصيبتنا بعينها في الادب، الأدب يريد أن يمشي، والحماة قرم عنيد. واقف بالدرب، لا تفتح الطريق إلا اذا مشينا على جثتها، فلنمش … ".
ولا يعنينا هنا هذا الانحياز إلى الجديد، والدعوة إلى قتل القديم، والسير على جثته، فإننا سنرى ـ فيما بعد ـ أن هذا الناقد نفسه لا يقول بوأد القديم، وإنما يرى ـ فقط أن نكنس البيت القديم، وأن نفتح نوافذه ليدخل منها الهواء، وإنا يعنينا ـ الان ـ هذا التشبيه للصراع بين القديم والجديد في كل شئون الحياة، ومنها ـ بل وفي مقدمتها ـ اللغة والادب.
ولقد رأينا النقاد يختلفون، والشعراء يختلفون في شئون الأدب على نحو ما يختلف الناس في الامور الاخرى.
وجدنا من النقاد منذ عهد سحيق من يقدس القديم، ويطرح كل جديد، وأول
