/ صفحه 94/
ثم يعقب عروة قائلا: ونحن نقول: رحم الله عائشة، فكيف لو رأت زماننا هذا؟!.
" وتعظيم القديم من طبيعة الناس، ولذلك عبدوا جدودهم، فكل رجل ولو خاملا يستحيل يوم يموت شيئا عظيما، تنهال عليه الرحمات، ويرون أنه كان من المغاور، لا تعصى عليه مشكلة، مع أن المرحوم كان لا يهش ولا ينش. ولكنه دخل الأبواب الدهرية فصار ملك الجميع " (1).
ومع ما في هذا القول من المبالغة نجد له شواهد بين الخواص والعوام.
وبجانب هذه الكثرة نجد فريقا، يذمون كل قديم، ويمتدحون كل جديد، مبالغة وإسرافا، حتى حملت هذه الحال شاعرنا شوقيا أن يقول وهو يمتدح الأزهر الشريف، ويشيد بما يؤديه للعالم الإسلامي من خدمات جليلة، وما قام به منذ إنشائه، من حماية اللغة والدين، ويمتدح علماءه بأنهم كانوا أعز من الملوك سلطانا، وأجل جلاله(2). ثم تنجم ناجمة فترميه بالجمود والرجعية، فيصيح شوقي:
لا تحذ حذو عصابة مفتونة يجدون كل قديم شئ منكرا
ولو استطاعوا في المجامع أنكروا من مات من آبائهم أو عمرا
من كل ماض في القديم وهدمه وإذا تقدم في البناية قصرا
وكما هجم شوقي بعنف وشدة على المفتونين بكل جديد، هجم من قرون بعيدة أديب آخر على من يجعل كل خير في القديم، ذلكم هو بديع الزمان الهمداني حيث يقول: " تقولون: فسد الزمان، فمتى كان صالحا؟! " وبعد أن يتتبع أطوار التاريخ

*(هوامش)*
(1) من كتاب (على المحك) لمارون عبود: ص 6. ط. بيروت.
(2) وهذه أبيات شوقي الخالدة في مدح العلماء:
واخشع ملياً، واقض حق أئمة طلعوا به زهرا، وماجوا أبحرا
كانوا أجل من الملوك جلالة وأعز سلطانا، وأفخم مظهرا
زمن المخاوف كان فيه جنابهم حرم الامان، وكان ظلهم الذرا
من كل بحر في الشريعة زاخر ويريكه الخلق العظيم غضنفرا