/ صفحه 93 /
أؤرخ للصراع الخالد بين القديم والجديد، حتى يتبين لنا أن أحداً لم يحمد التطرف في أي عصر من العصور، وأن كل من قال: " أنا اللغة " عبر تاريخنا الطويل، لم يكونوا من أصحاب الرأي والفكر، وإنما كانوا فقاعات ظهرت على سطح الحياة، وكانت ساعة وجودها هي ساعة عدمها ـ كما يقول الرافعي رحمة الله ـ.
وضحالة الثقافة، هي ـ وحدها ـ التي تخيل لصاحبها أنه يستطيع ان يقطع الصلة بكل قديم، ثم يقدر ـ بعد ذلك ـ أن يخلق أدبا خالداً، وأن يترك فنا ممتازاً.
وآفتنا الحقيقية، هي أن كل إنسان ـ عند نفسه ـ رجل عظيم، وعالم كبير، ومفكر خطير، ومن حقه ان يقول: " أنا الشرع " و " أنا القانون " و " أنا اللغة ".
* * *
والصراع بين القديم والجديد هو قضية الزمن والحياة، فما دام في الزمن أمس الدابر الذي لا يعود، واليوم الحاضر الذي يشغل العقل والقلب، فسيظل الحديث متصلا، خفيفاً حينا، ومحتدما في أحيان كثيرة عن الأمس واليوم، وربما عن الغد المجهول.
وهل هناك شك في أن آدم (عليه السلام) تحدث عن الجنة، وجرى بينه وبين حواء حديث طويل عنها، وعن الأرض التي هبطا فيها، ثم تحدث أبناؤهما من بعدهما، وفاضلوا بين أمسهم ويومهم، ولا يبعد أن يكون وقع بينهم جدل عنيف حول هذه القضية الطبيعية.
وهكذا ننتقل عبر الحياة، فنجد الناس في كل عصر، وفي كل مصر يتحدثون عن أمسهم ويومهم، وعن آبائهم وجدودهم، كما يتحدثون عن الساعة التي يعيشون فيها.
هذه ظاهرة واضحة، ربما كان الكاتب في غير حاجة إلى التنبيه عليها، أما الظاهرة الثانية فيه أن أكثر الناس يمتدحون القديم، ويتأسفون على العهد الذي مضى، ولا ينسى الرجل العامي، وهو يحدثك ان يترحم على " ايام زمان "!.
يروى عن عروة بن الزبير أنه كان يقول: كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تنشد قول لبيد:
ذهب الذي يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الاجرب
ثم تقول: رحم الله لبيدا، كيف لو رأى زماننا هذا؟!.
