/ صفحه 90/
سواسية في الحقوق والواجبات، وارتفع بالكرامة الإنسانية إلى المنزلة اللائقة بها، وانتقل بالشعوب من حياة الذلة والمهانة إلى حياة العزة والكرامة، وأقام حضارة وسعت جميع الشعوب يوم أن كان العالم لا يعرف غير حضارة الإسلام والمسلمين، وربى أمة كانت خير أمة أخرجت للناس، وجعل من أبناء الصحراء قادة وأبطالا فتحوا أرقى الممالك حضارة ومدنية، واساتذة في العلوم فتحوا للعقول أبواب العلم وطرائق المعرفة، وأئمة في الفقه والقضاء، علموا الشعوب كيف يكون التشريع الذي يقرر قواعد العدل والمساواة، ويبني المجتمعات الصالحة في دينها ودنياها، وكيف يكون القضاء الذي يجعل الناس أمام سلطانه سواسية، لا كبير في الحق ولا صغير، ولا قوى فيه ولا ضعيف، وأعلاماً في الارادة والحكم، علموا الأمم كيف تكون الادارة الحازمة العادلة، التي تعصم الدماء والاموال، وتصون الاعراض والكرامات، وتعطى كل ذي حق حقه، وتوسد أمور الأمة إلى أهلها، وكيف يكون الحكم الصالح الذي تنعم في ضلاله الأفراد والجماعات، فعلوا كل هذا، وما درسوا في الكليات والجامعات فنون الحرب والقتال، ولا أصول التشريع وأنظمة القضاء، ولا علوم السياسة والادارة، ولكنهم أدركوا عن علم يقيني مقاصد القرآن، وروح تعاليم الإسلام، فسما هذا الادراك اليقيني بعقولهم وأفهامهم، ونفخ فيهم روح الحياة والبعث، وقوة الارادة ومضاء العزيمة، وفتح لهم طريق العلم والمعرفة، فأخذوا من كل آية قرآنية علما، ومن كل سنة نبوية هديا، ومن كل ظاهرة كونية درسا، وحققوا في جيل واحد من جلائل الأعمال ما لم تحققه أمة أخرى في عدة أجيال.
ولا يصرفنك عن الإيمان بهذه الحقائق التي لا يرقى إليها الشك، ما عرض التشريع الإسلامي في عصوره الاخيرة من التراجع في ناحيتيه الفكرية والعملية، وانصراف أكثر الحكومات الإسلامية عنه، وأخذها بالتشريع الوضعي في قضائها ومعاملاتها، فان ذلك ليس راجعاً إلى قصور مبادئه عن مسايرة الحياة الإنسانية في تطورها، أو انتقاضها بتطاول الزمان وتقادم العصور، أو انهزامها أمام التقدم العلمي والرقى الفكري، لأنها حقائق نزلت من عالم الحق للعمل بها في كل زمان