/ صفحه 89/
على أفهامهم، وهي التي كان يفهمها البدوي بفطرته وسليقته، وهل يظن أولئك أن هذا التعلل يخليهم من مسئولية هذا الإعراض أمام الله تعالى، وهو الذي يعلم مقدار ما وهبهم من عقل وفكر وفهم، ويعلم مبلغ عنايتهم بدراسة تشريعات العقول البشرية ونظرياتها الاجتماعية والفلسفية، وإقبالهم عليها، ووقوفهم منها موقف التقديس والإذعان، ويعلم مدى حرص الكثير منهم على دراسة المذاهب الضالة وإعجابهم بما فيها من ضلال وإلحاد وإفساد للعقائد، وشغفهم بقراءة القصص والروايات على ما فيها من سخف ومجون وإفساد للأخلاق، دون أن يكون للكتب الدينية نصيب من وقتهم واطلاعهم وتفكيرهم.
أم يقولون إن التشريع الاسلامي عجز عن الوفاء بمقتضيات الحياة المدنية للمجتمع الاسلامي، وكيف عجز عن الوفاء بذلك، وهو التشريع الذي يساير باصوله وفروعه تطور الإنسان في رقيه ومدنيته، ويتمشى مع ما تحكم به العقول وتقضى به الفطرة، فلا تجد في مبادئه العامة ما ينبو عن مدارك العقول والأفهام، ولا في فروعه العملية ما تعجز عن احتماله طبيعة البشر، أو يجافي تطور الحياة الإنسانية في رقيها وتقدمها، لأنه التشريع الالهي الذي قامت مبادئه العامة على قضايا العقل والمنطق، وقامت مناهجه العملية على مقتضيات الطبائع والفطر، والذي جعله الله مهيمنا على جميع التشريعات السماوية السابقة، فنسخ منها الفروع العملية التي روعى في شرعها أحوال أمم معينة في أزمان خاصة، واستبقى منها ما لا يختلف باختلاف الامم والأزمان، وزاد عليها الفروع التي اقتضاها رقي الإنسان، واتساع نطاق العمران، وهكذا جمع الله الأصول والفروع في دائرة الكمال والخلود، وجعله خاتمة الشرائع والأديان.
وكيف ضاق عن تطور الحياة الإنسانية في حضارتها ومدنيتها، وهو الذي وضع للدين والدنيا أعدل نظام عرفه البشر، في وقت كانت شعوب الأرض محكومة بتشريعات مستمدة من ألوهية الملوك وغطرسة الحكام، ومطبوعة في روحها وأهدافها بطابع القسوة والطغيان، فقرر قواعد العدل والمساواة بين الناس، وقضى على نظام الطبقات والامتيازات، وجعل الحاكمين والمحكومين