/ صفحه 91/
ومكان، والحقائق المنزلة من عالم الحق بهذا القدر المعلوم، محال أن يعرض لها قصور في صلاحيتها لكل زمان ومكان، أو ينقضها تطاول الزمان وتقادم العصور، أو تنهزم أمام التقدم العلمي والرقى الفكري، بل يزيدها تطاول الزمان وتقدم العلوم وضوحا وتأييدا.
وإنما هو راجع إلى إهمال المسلمين في العمل بمبادئه وتعاليمه، وتقصيرهم في فهم نصوصه كما كان يفهمها المسلمون الاولون، وفي عرضها على الأفهام كما كان يعرضها الائمة السابقون، فقد كانوا يفهمونها فهما يجمع بين نصها وروحها، ويوضح مقاصدها في غير تعسف ولا تكلف، ويعرضونها على الناس في صور تملأ القلوب والاسماع بيسرها، وتجتذب النفوس والارواح بصفائها، وينشرونها بين الناس بالقول والعمل، ويدافعون عنها بالارواح والمهج، فكانوا للدين حماة وأنصارا، وكان الدين لهم حصنا منيعا وقائدا حكيما.
فهذا الإهمال والتقصير هو السر الحقيقي في هذا التراجع الفكري والعملي.
والا فهل يستطيع منصف درس التشريع الإسلامي أن ينكر أن الإسلام لم يدع مبدأ من مبادئ الحق والعدل إلا قرره تقريرا محكما، ولا مكرمة من مكارم الأخلاق إلا بينها ودعا اليها، ولا صالحة من صالحات الاعمال إلا وضحها وحث عليها، ولا مرضا من أمراض النفوس إلا وصف له العلاج الشافي، ووضع له الوقاية الناجعة، ولا مشكلة من مشاكل الفرد والمجتمع، التي طالما احتدم البحث والنقاش حولها، واختلفت فيها الانظار والمذاهب، إلا قرر فيها اصدق النظريات، ووضع لها أصح الحلول.
هذه هي الحقائق التي لا يستطيع باحث منصف أن ينكر شيئا منها، ولكن المسلمين استعصى عليهم منال تراثهم وهو على كثب منهم، بينما سهرت عليه الشعوب التي أخذته عن سلفهم، وأقامت عليه حضارتها ونظام الحكم في بلادها، واصبحت تزهو عليهم بمدنيتها وحضارتها، وتفرض سيطرتها على العالم بعلومها وفنونها، ولله الامر من قبل ومن بعد.
وأما كثرة الزعامات القيادية، والدراسات الدينية، فيأتي الحديث عنها في المقال التالي إن شاء الله تعالى.
