/ صفحه 9 /
وبينما نرى سورة الأنفال تشير إلى هذه الأحداث الأولى، نرى سورة التوبة تشير إلى مشاهد وتخص منها يوم حنين بالذكر " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين …الآيات " كما تذكر صراحة حادث الهجرة " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ا لغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " الآية، ثم تصف مواقف المشركين وأهل الكتاب، وتصف بالتفصيل مواقف المنافقين، وتذكر غزوة تبوك التي ترشد إلى واقعة مؤتة، هذه الواقعة التي تذكر بعهد كتب الدعوة التي وجهها النبي إلى الملوك بعد صلح الحديبية.
ولعل قيام السورتين بالإرشاد إلى هذه المراحل كان هو الحكمة في وضعهما مقترنين في الترتيب المصحفي، ولعل قيام سورة التوبة بمهمة التصفية النهائية بين المؤمنين والطوائف المعارضة مع وضع أسس الحياة الفاضلة العزيزة للمسلمين يحقق أنها آخر سورة أحكامية نزلت من القرآن الكريم، وأنه لم ينزل بعدها سورة كاملة إلا سورة النصر التي سجلت نصر الله لعباده، وأوجبت عليهم تسبيحه بحمده " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ".
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يلبث بعد نزولها إلا قليلاً حتى التحق بالرفيق الأعلى مطمئناً قلبه، طيبة نفسه بما أدى من رسالة، وبما قام من دعوة وجهاد.
مراحل الدعوة والجهاد السابقة:
ولمعرفة الوضع التاريخي الذي نزلت في جوه سورة التوبة والذي يعين على فهم المقصود منها، نرى أن نعرض سراعاً للمراحل العملية للدعوة والجهاد من وقت بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الوقت الذي نزلت فيه، ولنعرف منها كيف تدرجت حالة المسلمين إلى ما يستدعي هذا العلاج الذي قامت به تلك السورة، ووضعت أحكامه ومبادئه فيما يختص بالأساس النهائي الذي يستقر عليه الأمر في معاملة المشركين وأهل الكتاب في جزيرة العرب، وفيما يختص بالتنبه واليقظة بالنسبة لما يتخلل الدولة من عناصر التخذيل والنفاق في كل وقت وفي كل مكان.