/ صفحه 10/
الدعوة بمكة:
بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوته في مكة بأنه رسول الله، يدعو الناس إلى الإيمان بالله واليوم الأخر، والعدل والإحسان وسائر العمل الصالح، وقد تدرج في دعوته من السرية إلى الجهرية فقابله قومه بالإنكار، وساوموه على ترك العبادة بما يطيب له، ثم انتقلوا معه إلى العنف والاضطهاد، وقد دوّن التاريخ من حوادث التعذيب والإيذاء له ولمن لبى دعوته ما تقشعر من ذكره الجلود، وظل بمكة ثلاثة عشرة سنة يعاني فيها هو وصحبه ما يعاني من ألوان العذاب وصور التنكيل.
الهجرة:
وأخيرا اعتزموا قتله بطريقة تفرق دمه في القبائل، فهيأ الله سبيل الهجرة إلى المدينة التي انتقلت دعوته إليها بواسطة الوفود، وأخذت تسري في القلوب بما تحمل من جلال وجمال، حتى كونت لها من شباب المدينة أنصاراً أرباب قوة وفتوة، عاهدوا الرسول على الموت في سبيل نصرته، ونشر دعوته، وبهذه الهجرة سَقِط في أيدي المشركين وتضاعف حقدهم على محمد وأصحابه الذين نجوا من الفتك بهم بعد أن هيئوا فرصته واتخذوا عدته.
سُقِط في أيديهم، وطاشت عقولهم، وأخذوا يبعثون عيونهم للتجسس على محمد وأصحابه، ومعرفة ما عساه أن يكون منهم بعد أن خرجوا من مكة والتقوا مع أنصارهم بالمدينة، وبذلك صار شأن محمد شغلهم الشاغل الذي لا ينامون عنه ولا يطمئنون إليه، وبخاصة حينما علموا أنه استقر بالمدينة التي تأخذ عليهم طريقهم بأموالهم إلى الشام.
هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن في مكة طالب سلطان وملك حتى يكتفي بسلطان المدينة وملكها، وإنما كان صاحب الدعوة الإلهية العامة التي تهدف ـ من أول رسول بعثه الله إلى خلقه ـ إلى إقرار توحيد الله القلوب، والقضاء على الشرك، وتركيز عناصر الخير والعدل بين الناس جميعاً.
هاجر إلى المدينة وهذه دعوته، فتلقاه أنصار بايعوه على النصرة، وعلى السمع والطاعة، وترك هو وأصحابه ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله بنشر دعوته على